الاربعاء, 26 أغسطس, 2015 06:27:00 مساءً

اليمني الجديد - خالد عبدالهادي
اعترى الحركة الحوثية مس من أخوة الوطن ففسرت هزيمتها في المحافظات الجنوبية بأنه انسحاب اقتضاه تغيير في استراتيجية الحرب وأخذ إعلامها يعظ المواطنين في التآخي والاحتشاد خلفها للقتال في الحدود السعودية.
 
تهريج سياسي ومناورة مجردة تتمظهر بالتذاكي فيما هي تختزن سذاجتها في توقيتها وفي رداءة نسيجها.
 
هكذا ببساطة .. ودون أن تلتفت إلى النصف الآخر من رقعة البلاد حيث يواصل مقاتلوها الإغارة على المناطق وشن هجمات قاتلة على المدنيين, بحثاً عما يحفظ ماء الوجه.
 
في الواقع, أنتج الحوثيون وصالح تكتيكين اثنين للتعامل مع معالم الهزيمة العسكرية ومنع اكتمالها.
 
الأول هو ما وقع في شبوة وكاد يحدث في إب من سحب مقاتليهم من المحافظات التي كانوا قد أحكموا سيطرتهم عليها ونصبوا لها محافظين موالين لهم مما يضمن لهم استمرار السيطرة عليها والعبور بإمداداتهم القتالية, وفي الوقت ذاته إفراغ حماس القوى الشعبية التي كانت قد همت بمقاومتهم.
 
والثاني هو تركيز انتشار المقاتلين في معاقلهم ا التي يعتقدون أنهم قادرون على الاحتفاظ بالسيطرة عليها حتى في حال الهزيمة, وكذا تركيز الجهد القتالي في الجبهات التي تحقق لهم السيطرة ولو مؤقتاً حتى تلتئم مفاوضات سياسية.
 
وعلى مدى أسبوع تلاقى إعلام الحوثيين وإعلام الرئيس المعزول في اهتمام مشترك ركز على محاولة تمييع انتصارات المقاومة الشعبية والتقليل منها بزعم تراجع قواتهما أمام مقاتلي المقاومة انسحاباً مدروسا.
 
في هذا السياق, اندفع الحوثيون للقتال في عتمة؛ تلك المديرية القصية غرب ذمار في تأكيد لما كان متوقعاً من أن الجماعة بعد طردها من الجنوب ستستميت في القتال داخل ما تراها جغرافية تاريخية ومذهبية خاصة بها وبصالح.
 
تكمن خطورة المعركة الدائرة في عتمة وحساسيتها في أنها قد تفتح الباب لقتال مذهبي صريح, تأسيساً على اعتناق مواطني المنطقة للمذهب الشافعي داخل محافظة ذمار؛ كرسي الزيدية.
 
وتطل هذه الخطورة من حقيقة أن مقاتلي الحركة الحوثية الذين ترسلهم لقتال أهالي عتمة غالبيتهم من المنتمين إلى المناطق المحيطة المحسوبة تاريخياً ضمن الجغرافيا الزيدية.
 
زيادة على ذلك, فالقتال في عتمة يرسخ دعوى تاريخية لأهاليها حول أن الأنظمة المتعاقبة ألحقتهم إدارياً بمحافظة نائية عن وجدانهم ومناطقهم في آن. ويكفي لإبراز هذه الدعوى احتجاجات الأهالي مع مواطنيهم في وصابين على ضم مناطقهم إلى ما سمي إقليم آزال وفق التقسيم الذي فرضه الرئيس لرسم أقاليم الدولة الاتحادية قبل اختتام أعمال مؤتمر الحوار الوطني مطلع 2014.
 
ولم يأت فرار قوات صالح والحوثي من شبوة إلا نتيجة فقده السيطرة على باقي المحافظات الجنوبية, إذ هو فقد بذلك الحلقة الجغرافية التي كان للسيطرة على شبوة أهميتها ضمن تلك الحلقة
 
لكن بعد انتزاع تلك الحلقة منه لم يعد للقتال في شبوة من معنى سوى التضحية بقواته في رقعة صحراوية شاسعة وتقديمها لقمة سائغة لمقاتلات التحالف العربي بقيادة السعودية.
 
وبالتزامن مع فرار قوات سلطة صنعاء من شبوة, تلقت قواتها الضربة الحقيقية في تعز حيث أحرزت قوات الجيش ومقاتلو المقاومة تقدماً ميدانياً حاسماً مهمة وضعها على مشارف تحرير عاصمة المحافظة كاملة.
 
إضافة إلى المزايا الكبيرة لموقع تعز الوسيط بين المحافظات الشمالية والمحافظات الجنوبية فقد تضاعفت أهمية هذا الموقع لدى مقاتلي صالح والحوثي بعد طردهم من الجنوب وذلك لأن تعز باتت نقطة التماس الوحيدة التي يتشبثون بها ليتسللوا عبرها إلى المدن الجنوبية من أجل شن هجمات ضد قوات هادي أو تنفيذ عمليات تستهدف الحالة الأمنية.
 
وتتضاعف أهمية موقع تعز مرة أخرى لأنه صار يشكل أقصى نقطة في جنوب الجغرافيا التي مازال هذا التحالف يقاتل فيها, لذا يمكن عزو استماتة مقاتليه داخل المدينة والتمسك بأي مساحة ممكنة وبأي ثمن إلى أن ذلك يتيح له الادعاء بأنه ما زال يسيطر من أقصى نقطة شمالاً في صعدة حتى أقصى نقطة جنوباً في تعز.
 
هذه المناورات الإعلامية والسياسية يراد منها أن تحجب وجه سلطة صنعاء المحمر خجلاً بعد توالي الهزائم أمام أسئلة أتباعها, لكن ذلك لن يخفي وجهها حتى النهاية.
 
والمجدي له - خصوصاً الجماعة الحوثية- هو الإقرار بالهزيمة وفي الوقت ذاته الإقرار بخطيئة الحرب التي اقترفتها بحق البلاد والسلام الوطني ثم المران على التكيف لأن تعود إلى حجمها الموضوعي والحقيقي.
 
فلقد انتفخت الحركة الحوثية انتفاخاً هائلاً في وقت قياسي, لكنه كان تضخماً غير موضوعي. ولما أرادات التصرف بما يتناسب مع حجمها المتورم منذ سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 أخفقت في كل قرار اتخذته.
 
ولم تكن قرارات الجماعة بعد سيطرتها على السلطة بالتحالف مع الرئيس  المعزول علي صالح لتؤكد شيئاً مثل تأكيدها أن جسم الجماعة تورم بمعزل عن عقلها السياسي الذي ظل حبيس مغاراتها التي طلعت منها منتصف العقد الماضي.
 
حتى الضرب على وتر الجبهة الحدودية لن يعيد إلى عبدالملك الحوثي أو علي صالح الأقنعة التي تساقطت عنهما وعرت حقيقتهما كمجرمين ومقامرين شديدي الدموية والسوء.
 
والحقيقة أن تحالف 21 سبتمبر قد خسر هذه الجبهة سلفاً وقبل أن يطلق فيها طلقة رصاص واحدة, إذ لم يتوجه  للقتال فيها إلا بعدما كان قد أفرغ ذخيرته في صدور مواطنيه الذين صار غالبيتهم يرون في التدخل السعودي العسكري إنقاذاً لهم.
 
ثم إنه ليس صالح والحوثي من بوسعهما الادعاء أنهما يقودان حرباً وطنية في مواجهة السعودية أو أي قوة خارجية أخرى بهذه السهولة.
 
فالأول قد اختلط شحمه بالمال السعودي إلى حد لا يسمح بافتراقهما إلا حين يتحلل في لحده عدا عن بذله ثلاثة عقود من الحكم في خدمة النظام السعودي. وإن حاول بكثير من الهذر تصنع العداء للنظام السعودي فلن يستطيع طمس حقيقة أن الأراضي التي يزعم اليوم أنه ذاهب لقتال السعوديين فيها واستردادها منهم هو من أجازها نهائياً لهم.
 
أما الثاني فالحرب التي يريد بها إثبات وطنيته هي التي أهدرت وطنيته حين شنها ضد مواطنيه. وهذا وحده يغني عن الخوض في أمور أخرى تحجمه بمقاس زعيم طائفي في أحسن التقييمات.
 
وإذا كان تحالف صنعاء قد مني بهزيمة في الداخل, على الأرجح أنها لن تتوقف عند الحد الذي بلغته حتى الآن, فالاختلال الرهيب في موازين القوة لمصلحة السعوديين مع خسارته للدعم الوطني نتيجة حربه العدوانية الداخلية تشير إلى أنه سيتلقى هزيمة أشد إذلالاً في الجبهة الحدودية. عدا عن أنه سيجني بها على البلاد والشعب أضعاف ما قد جناه عليهما من جوع وخوف وتناحر.
 
من جهة أخرى, بقدر ما إن ادعاء تحالف صنعاء الانسحاب من جبهات القتال الجنوبية مناورة ساذجة ومتذاكية إلا أنها تنطوي على محاولة إغواء للرئيس عبدربه هادي لصرف قواته عن التوغل في معاقل هذا التحالف والسيطرة على ما بقي تحت نفوذه من المحافظات.
 
فمن الجائز قراءتها بأن الحس التقاسمي المسيطر على ذهنية قادة تحالف صنعاء يرسل إشارة مشفرة إلى هادي مفادها أننا تراجعنا إلى مناطقنا مقابل أن تبقى في مناطقك, على أن تسوي السياسة مصيرهما معاً. وذلك حتى لا تكتمل الهزيمة التي يحاول إخفاءها.
 
والثابت أن هذا الإجراء لن يدرأ عن تحالف  صنعاء ما يخشاه, فهادي يتطلع إلى سلطة كاملة لا تتحقق إلا ببسط السيطرة على كل أجزاء البلاد لا سيما صنعاء. وكذلك هو لم يعد صاحب خيارات في هذه المسألة بل مجبر على أن يصغي لكل الطلبات السعودية التي لن تكتفي إلا بمهاجمة تحالف صنعاء في معاقله خصوصاً إذا اتجه الأخير إلى تسعير القتال في الحدود.
 
يا له من سيناريو مرعب لتحالف 21 سبتمبر! إذا ما تحقق, فهو يحتمل الهزيمة في المحافظات الجنوبية أو محافظات الوسط بما صاحبها من إسناد عسكري خارجي لخصومه يعطيه مبرراً كافياً أما أن يتوجه جيش يأتمر بأمر هادي من عدن ليقاتل الحوثيين وصالح في صنعاء أو صعدة وينزل بهم الهزيمة فهذا ما لا يمكن احتماله.
 
فهذا السيناريو إن تحقق سينزع عن صالح والحوثي البطولة التي تسربلا بها حينما أطاحا بهادي وأعادا السلطة إلى "أهلها" الذين يعتقدون أنهم وحدهم الخليقون بها.
 
وستضع أي هزيمة تحل بتحالف 21 سبتمبر في معاقله صالحاً والحوثي على كرسي محاكمة تاريخية أمام مجتمعهما الذي دفع إليهما بأبنائه وضخ إلى خزينتهما مدخراته ومجوهرات نسائه ظناً منه أن بطليه يبليان جيداً في تأمين إعادة السلطة.
 
ولم يكن مجتمع صالح والحوثي ليفعل ذلك لولا أنه انخدع بسيل من كذب الآلة الإعلامية الدعائية المملوكة لهذين الرجلين وإعلاناتها اليومية عن تحقيق انتصارات متتابعة ستنتهي بنصر ناجز يعيد الأمور إلى نصابها.
 
فوق ذلك, ستخرس هزيمة صالح والحوثي فوهة البندقية التي كانت تتحدث نيابة عن أصحابها كلما اقترب أحد من سلطتهم أو امتيازاتهم وبعدما برهن المواطنون في سائر أنحاء البلاد على أنهم يجيدون القتال متى ما انصرفوا إليه . وهذا بحد ذاته يمثل لرجال لا تبارح البنادق أكتافهم هجمة شرسة على مهنتهم التي لطالما اعتقدوا أنهم يحوزون أسرارها وتجريداً لما يرون فيه عنصراً حاسماً بين عناصر الرجولة.
 
لكل ذلك يمكن فهم لماذا رضخ صالح والحوثي لمنطق الهزيمة الجزئية وشرعا يعملان على ألا تحل عليهما في عقر دارهما.
 
بإقرار صالح والحوثي الخجول بنصف هزيمة واصطناع حمية وطنية لشن حرب في الحدود يبدوان كما لو أنهما يشيدان سوراً حول صنعاء أو بقية معاقلهما, لكن لو خلنا هادي فهم رسالتهما فراسلهما بجملة موجزة ومكثفة لربما اكتفى باقتباس المأثور الشهير: لا بد من صنعاء!
 
نقلاً عن "الثوري"




أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
اليمن في ظل دعوات الانفصال