الإثنين, 22 يونيو, 2015 08:24:00 مساءً

اليمني الجديد - عصام القيسي
يعتقد علماء اللسانيات المعاصرون أن لا وجود لمعنى تام وثابت للفظة المفردة خارج سياقها. فالسياق – سياق المقام وسياق المقال – هو الذي يمنح اللفظة معناها الوظيفي الآني في الجملة اللغوية.

وهذا الرأي الذي قد يبدو متطرفاً يهدف إلى القول بأن المعنى المعجمي للفظة يظل معنى أولياً ناقصاً، لا يكتمل إلا بوجوده في عبارة تامة. وكذلك هو الحال في مجال الدلالة السياسية. إذ لا يمكن منح الفعل السياسي المفرد – والمحدود – معنى سياسياً من دون وضعه في سياقه التام.

والفعل السياسي حينئذٍ هو بمثابة "الدال" الذي يبحث التحليلُ السياسي في مدلوله.
قصدنا بالمقدمة الفائتة القول إن تحليل السلوك السياسي لحزب ‏التجمع اليمني للإصلاح وتأويله، منذ سقوط العاصمة صنعاء بيد المليشيات الحوثية في 21 سبتمبر 2014 وحتى الآن، لن يكون منتِجاً ما لم نرجع قليلاً إلى الوراء للكشف عن الخلفية التاريخية والاجتماعية للصراع بين تجمع الإصلاح وخصميه الرئيسيين: الحركة الحوثية ونظام صالح.

باعتبار الطرفين عنوان الصراع الراهن في اليمن.. وهو ما ستتصدى له السطور التالية بإيجاز شديد. الخلفية التاريخية والاجتماعية للصراع: من الشائع في الأوساط اليمنية القول إن النواة الصلبة لحزب الإصلاح تتشكل بصورة أساسية من أبناء محافظة ‏تعز، ذات الكثافة السكانية العالية، تلك التي كانت تصنف يوماً ما بأنها مناطق شافعية المذهب.

في حين أن النواة الصلبة لحركة الحوثي وجماعة صالح تتشكل بصورة أساسية من أبناء الهضبة الشمالية التي كانت تصنف بأنها زيدية المذهب (1). وهو قول لم يأت من فراغ، ولا يحتاج إلى دليل أقوى من دليل المشاهدة العيانية لكوادر هذا الطرف أو ذاك.

إذ على الرغم من أن التعددية السياسية التي شهدتها اليمن بعد الوحدة (1990م) قد عبرت على حدود التقسيم المناطقي والمذهبي، إلا أنها لم تفلح تماماً في تغيير شروط الواقع الاجتماعي والتاريخي التي صنعت هذا التقسيم. فقد ظلت جراثيم الشعور بالاختلاف بين أبناء المنطقتين باقية حتى في ظل أكثر التحولات مدنية بعد الوحدة.

ويعود هذا – على الأرجح – إلى شعور عميق لدى أبناء منطقة تعز (2)، وغيرها من المناطق ذات الانتماء غير الزيدي، بأنهم حرموا - لمئات السنين – من حق الشراكة في السلطة السياسية على الأقل. السلطة التي ظلت بيد أبناء الهضبة الشمالية من قبل قيام الجمهورية (1962) وبعدها.

ويقابله شعور راسخ لدى أبناء الهضبة الشمالية بأن السلطة – وتجسدها كل عناصر القوة المادية – حق أزلي لا يجوز لطرف آخر مجرد التفكير في منازعتهم عليه. وهم لذلك دائمو البحث عن زعامة سياسية تحافظ على هذا الميراث (الحق)، يصطفون خلفها اصطفاف المحاربين.

وكان الرئيس السابق علي ‏صالح مدركاً تماماً – ككل رجال السياسة والثقافة في اليمن – لهذه الأبعاد والحقائق.

وبدلاً من وضع استراتيجية مناسبة للتخفيف من آثارها على الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن، فقد سعى الرجل إلى توظيف هذه الحقائق والتناقضات لصالح مشروعه السياسي قصير الأجل المتمثل في بقائه على رأس السلطة، ومشروعه السياسي طويل الأجل المتمثل في توريث و الحكم والدولة لنجله أحمد.

وكانت الاستراتيجية البديلة تقضي بأن يُدفع بأبناء الهضبة الشمالية وبالسلكين العسكري والأمني، لتشكيل أغلبية كافية للسيطرة عليهما، بحيث يجعل رزقهم تحت ظل هاتين المؤسستين في المقام الأول.
في حين يُخلى الطريق واسعاً أمام أبناء محافظة تعز للسيطرة على المجالات المدنية (3). فكان أغلب طلاب مناطق تعز يتجهون بعد تخرجهم من الجامعة أو الثانوية إلى التخصص في مجالات الطب والهندسة والتعليم والتجارة والإدارة، والمجالات المهنية الفنية.

وفي المقابل تتجه أغلبية أبناء الهضبة الشمالية إلى الالتحاق بمؤسسة الجيش أو الأمن. وكان صاحب النظام يحقق بهذا التقسيم غير المعلن أكثر من هدف، فهو من ناحية يمتص الاحتقان المقدر لدى أبناء تعز بسبب حرمانهم من المشاركة في السلطة السياسية العليا وصناعة القرار، بل ويمنحهم شعوراً شوفينياً بالتفوق في مجالات الثقافة والفكر والتباهي بحمل المشروع المدني، في مقابل حملة الكلاشنكوف والقلب الميت من أبناء الهضبة.

 ومن ناحية أخرى - أهم - فقد كان الرجل يرتب لتأسيس جيش خاص يحمي مشروعه وبقاءه في السلطة، تكون نواته الصلبة من أبناء الهضبة التي ينتمي إليها، لضمان الولاء المطلق، وتحاشي الخيارات الانقلابية، التي جرب نارها من قبل، على أيدي ضباط من أبناء محافظة تعز، إبان صعوده إلى سدة الحكم. وهو ما نجح في تحقيقه إلى حد بعيد (4).

عندما فُتحت أبواب التعددية الحزبية والسياسية في اليمن عقب إعلان الوحدة، ظهر إلى العلن تنظيم الأخوان المسلمين، مختبئاً تحت مظلة سياسية هي مظلة التجمع اليمني للإصلاح، الذي ضم عناصر أخرى مقربة من أيديولوجيا الأخوان السياسية والفكرية.

وقد جاء هذا الحزب محملاً بالكثير من أدبيات الأخوان وثقافتهم. وهي في كثير من عناصرها تتناقض جوهرياً مع الثقافة التي رسختها "الزيدوية" (5) الإمامية في أبناء الهضبة الشمالية على مدى قرون. ولعل أبرز ما قامت عليه الأيديولوجيا "الزيدوية" ثلاثة أقانيم غير معلنة، يعرفها الراسخون في السياسة والعلم، وإن لم يجهروا بها: الأقنوم الأول، هو أقنوم الحق الأزلي في السلطة السياسية (الرئاسة تحديداً).

والأقنوم الثاني هو القول - بلسان الحال - إن الرجولة الحقيقية والرجال الحقيقيون هم أبناء هذه المناطق، ولذا فإن غالبيتهم تأنف من ممارسة بعض الأعمال ذات الطابع الخدمي، مثل العمل في المطاعم والبوفيهات، وكأن شعارهم: ونشرب إن وردنا الماء صفواً، ويشرب غيرنا كدراً وطيناً"، لولا أن الزمن أجبر بعضهم في العقود الأخيرة على ما يكرهون. والأقنوم الثالث يتمثل في حرص أبناء هذه المناطق على بقاء التقسيم التراتبي للمجتمع اليمني إلى أعراق وفئات، الذي يشابه التقسيم العنصري في المجتمع الهندي. فالناس منقسمون على قبائل وبطون، وداخل القبائل والبطون هناك تقسيم على أساس المهن، تحول مع الزمن إلى تقسيم عرقي (6).

هنا نكون قد وصلنا إلى مربط الفرس، فقد جاء حزب الإصلاح بثقافته الأخوانية ليمس هذه الأقانيم المقدسة بسوء.

وهو ما يعد عند مراكز النفوذ التي توظف هذه الثقافة لصالحها اعتداء يستحق المواجهة. وكانت أول طلائع المواجهة قد جاءت من ذلك الفصيل الذي شعر بغريزته السياسية القوية خطورة الثقافة الأخوانية على مستقبله السياسي، أعني فصيل الهاشمية الإمامية. حدث ذلك قبل إعلان الوحدة والتعددية الحزبية، وأثناء تحالف الأخوان مع صالح لمواجهة الحزب الاشتراكي بعد الوحدة، واستمر بالتوازي مع الحملة القوية التي شنها صالح وأجهزة استخباراته، بعد فك ارتباطه مع الأخوان على إثر انتصاره في حرب 94م، واستحواذه على السلطة والجيش. إن ثقافة الإصلاح التي قامت على مبدأ العدالة والمساواة هي النقيض الخصم للأيديولوجيا الزيدية بأقانيمها الثلاثة الماضية.

وهي التهديد الوجودي – من ثم – لمشروعي صالح والحوثي الملكيين. وهو ما يفسر الحضور الضعيف للإصلاح في هذه المناطق، وحضوره الواسع في المناطق ذات الثقافة المدنية والمستوى التعليمي الجيد. ولا شك أن لضعف الخطاب السياسي والأيديولوجي الذي تبناه الإصلاح دوراً إضافياً فاعلاً في ما يعانيه الحزب من مشكلات، أثرت على أدائه السياسي في الفترة الأخيرة تأثيراً سلبياً، انعكس على المشهد السياسي اليمني برمته.. إلى هنا يكون من المناسب الولوج إلى إصلاح العام 2011م، التاريخ الذي له ما بعده في مستقبل هذا الحزب.

 الإصلاح: رقبة لأكثر من سيف: كان حزب الإصلاح موعوداً في العام 2011 بأخطر حدث سياسي واجتماعي في تاريخه، أعني ثورة فبراير ضد نظام الرئيس السابق صالح، التي وجد نفسه مضطراً، ليس إلى الانخراط فيها وحسب، وإنما لتحمل القسط الأكبر من أعبائها المادية والسياسية والتنظيمية والاجتماعية. فهو أكبر الأحزاب اليمنية المعارضة، وأقدرها على التعبئة والتنظيم والإنفاق. وبالرغم من الوعود الوردية التي حملتها الثورة لأصحابها، فقد حملت تهديدات ومخاوف كبيرة على مستقبل هذا الحزب.

 فإلى جوار الخوف من فشل الثورة، وعواقب هذا الفشل على الحزب والبلد، والخوف من نشوب حرب أهلية باهظة الكلفة مادياً وأخلاقياً، لا يحتملها ضمير الإصلاحيين وإمكاناتهم، كان الحزب – أيضاً – يخشى انكشاف أبعاده العسكرية، أو شبه العسكرية، إذا ما اضطر إلى خوض معركة مع النظام السابق لحماية الثورة.

وهو الذي ظل ينفي طوال الوقت أن يكون حركة ذات أبعاد عسكرية مليشاوية، ويؤكد بإصرار هويته المدنية وخياراته الديمقراطية. إلا أن رياح التغيير قد جرت على غير ما تشتهي سفنه، فقد نجح صاحب النظام في جره إلى مربع الاقتتال في أكثر من منطقة وإن بصور غير رسمية. وعندما وضعت الحرب أوزارها - وفقاً للمبادرة الخليجية -، وتحول الصراع من الخنادق إلى الفنادق في مؤتمر للحوار الوطني الشامل، كانت بعض دول الإقليم – لأسباب خاصة - قد حسمت أمرها – ضمن حربها على ثورات الربيع العربي - ضد تجمع الإصلاح، بحسبانه فرعاً من تنظيم الأخوان المسلمين الدولي، التنظيم الذي كشفت أحداث الربيع العربي خطورته على استقرار الأنظمة العربية القائمة. والتقت هذه الرغبة الإقليمية مع رغبات قوى محلية كثيرة أبرزها: النظام السابق، وجماعة الحوثي و - إلى حد ما - الحزب الاشتراكي اليمني، الذين أجمعوا – بدرجات متفاوتة ومظاهر مختلفة - على عداوة الإصلاح لأسباب سياسية وأيديولوجية متشابهة.

وقد دلت القرائن على وجود تنسيق - مباشر حيناً وغير مباشر حيناً آخر – بين هذه الأطراف – الإقليمية والمحلية - للعمل على هدف واحد هو إسقاط التجمع اليمني للإصلاح، الذي أصبح رقبة لسيوف عديدة. وقد مضت الخطة إلى أهدافها بنجاح نسبي ساعد عليه تواطؤ دولي دلت عليه قرائن كثيرة.

منها حالة التراخي الأممي تجاه تجاوزات الحوثي وصالح الانقلابية على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية. بل والمخالفة لمقررات حقوق الإنسان في المواثيق والعهود الدولية، كتهجير أبناء المناطق من أراضيهم، وتفجير بيوت الخصوم السياسيين، وما شابهها.

وقد ظهر ذلك التواطؤ بالصمت جلياً عندما اقتحمت مليشيا الحوثي العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، دون أن تغلق السفارات أبوابها، أو تبدي أي مظاهر تخوف من القادم المدجج بالسلاح!.

 النص والخروج على النص: كثيرة هي المؤشرات التي دلت على وجود تنسيق من نوع ما بين خصوم الأخوان المحليين والإقليميين، بغرض جر الإصلاح إلى مواجهة مع الحوثيين يلقى فيها مصرعه. وكانت حرب دماج هي باكورة الحروب الاستدراجية له.

ولعل القوم كانوا يرجحون أن الإصلاح – الذي خرج من المواجهة مع صالح سالماً غانماً – لن يسكت على عربدة الحوثيين مع إخوانهم السنيين في منطقة دماج. إلا أن استجابة التجمع خيبت آمالهم وأمال السلفيين معاً، إذ لم يشارك في هذه المعركة - بصورة رسمية على الأقل - على الرغم من أن عربدة الحوثي في دماج قد بلغت حداً لم تعرفه اليمن في عصرها الحديث من قبل، حيث أقدموا - بعد أشهر من المعارك مع السلفيين - على تهجير هؤلاء الأخيرين من ديارهم إلى حيث استقر بهم المقام في العاصمة صنعاء.

وهو ما دفع حلف الثورة المضادة إلى التفكير في نصب كمين أكثر إحكاماً وإغراءً للإصلاح، فكانت معركة عمران. إنها بالفعل المعركة التي لا يسع الإصلاحيين إلا خوضها، فتهديد الحوثي لعمران يعني تهديداً لكل عناصر القوة المادية للحزب.
فعمران هي: أولاً: عاصمة قبيلة حاشد، أقوى القبائل اليمنية التي يرأس مشائخها الشيخ الإصلاحي صادق الأحمر. وثانياً: يوجد فيها أكبر الألوية العسكرية الموالية للثورة وللواء علي محسن الأحمر، حليف الإصلاح في المؤسسة العسكرية. وثالثاً: هي بوابة صنعاء التي إن سقطت فكأنما سقطت العاصمة.

ورابعاً: أن سقوطها بيد الحوثيين سيكون بمثابة تطويق لقبيلة أرحب، ذات الأغلبية الصلبة الموالية لتجمع الإصلاح، ومسقط رأس الشيخ الإصلاحي الكبير عبد المجيد الزنداني. لقد كان النص المتفق عليه يقضي بأن يتوقف الحوثي عند حدود عمران، بعد أن يحقق الأهداف المرجوة من غزوته، وها هي الأهداف قد تحققت على أكمل وجه، فقد سقط اللواء العسكري 310 بأيديهم، وقتل قائد اللواء (القشيبي) بطريقة بشعة - بعد أسره على الأرجح - ، وتم تفكيك نفوذ آل الأحمر في القبيلة، بعد معارك دامية شارك فيها الإصلاحيون بصورة حقيقية لكن غير معلنة.

وبهذا يكون النص قد وصل إلى نهايته المتفق عليها، لولا أن الحليف السري والفعال في هذه المواجهة صاحب النظام السابق (علي صالح) كان له رأي آخر؛ لقد اتخذ الرجل قراراً شمشونياً - دفعه إليه حقده على خصومه المحليين - يتمثل في وضع ثقله العسكري والحزبي بيد الحوثيين، أو بتعبير أدق في يد إيران؛ وهو ما تبدى جلياً في مشاركة قطاعات من الحرس الجمهوري – الجيش الذي صممه لحمايته وحماية مشروعه في توريث السلطة – في معارك عمران ومعركة صنعاء.

وهو الأمر الذي عدته المملكة السعودية بمثابة طعنة غادرة في خاصرتها ممن كانت تظنه حليفاً خسرت في سبيله حلفاء آخرين كانوا أكثر منه إخلاصاً وصدقاً، أعني أسرة آل الأحمر، الحلفاء التقليديون للملكة!. وهو الخطأ الذي سيدفع صالح ثمنه غالياً فيما بعد.

سقوط صنعاء: صفعة واحدة لكل الوجوه: لقد قرأ الإصلاحيون التساهل الدولي تجاه سلوك الحركة الحوثية المستفز، وخروجها على مقررات التوافق الوطني في وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل، على أنه شكل من أشكال التواطؤ لغرضين اثنين هما جر الطرفين إلى مستنقع الاقتتال، ثم وضع أحدهما - أو كلاهما - تحت البند السابع للعقوبات الدولية.

وقد سأل الكاتب مقرباً من اللواء علي محسن آنذاك عن سرّ صمت اللواء مما يجري فأجاب: لقد كان الغرض من إدخال البلد تحت البند السابع محاصرة اللواء محسن والأخوان تحديداً قبل الحوثيين ومعرقلي التسوية!. ولعل هذا يفسر عدم جدية هذا الطرف (تحالف الإصلاح) في خوض معركة الدفاع عن صنعاء وانسحابهم منها بسرعة.

لقد كان الإصلاحيون يدركون جيداً أن التعويل على الجيش الوطني في الدفاع عن العاصمة ليس من الحكمة في شيء، لسبب بسيط هو عدم وجود جيش وطني يمني بالمعنى التقليدي للكلمة، وإن هو إلا جيش عائلي طائفي لا يمكن الاعتماد عليه!. لكن، ما دام تحالف الإصلاح يدرك ذلك، فلماذا إذن دخل تلك المواجهة المحدودة في معركة الدفاع عن صنعاء؟!.

 لعل أقوى المقولات التفسيرية لما حدث هي تلك التي تقول إن هذا الطرف قد سعى من خلال هذه المواجهة البسيطة إلى تحقيق غرضين اثنين على الأقل: الأول، تسجيل موقف تاريخي يقول إن تحالف الإصلاح هو الطرف الوحيد - تقريباً - الذي حاول الدفاع عن الجمهورية ومشروع الدولة الديمقراطية، في مواجهة المشروع الحوثي الذي يمثل مشروع الدولة الإمامية الثيوقراطية.

والآخر: كشف التحالف السري – إلى ذلك الحين - بين نظام صالح والحركة الحوثية. وهو التحالف الذي حاول الطرف الأول تحديداً إخفاءه بحرص حتى لا ينكشف دوره في تمكين المشروع الإيراني أمام دول الخليج. إذ لم يكن هدفه الحقيقي – على الأرجح - هو تمكين هذا المشروع بقدر ما كان يهدف إلى الانتقام من خصومه الذين أسقطوا عرشه، ووضع دول الخليج أمام خيار وحيد لمواجهة الحوثيين والمشروع الإيراني هو خيار دعمه في العودة إلى السلطة، بوصفه القادر الوحيد في اليمن على دحر هذا المشروع!.

وما كان لهذا التحالف بين صالح والحوثي أن ينكشف لو لم يظهر الإصلاحيون خلال الأشهر المنصرمة - عبر الإشاعة - استعدادهم للدفاع عن العاصمة صنعاء. إذ لم يكن في وسع الحوثيين وحدهم مواجهة الإصلاحيين ومن معهم من قوى الجيش المتوقعة بقيادة اللواء محسن. ولعل هذا هو ما يفسر الزيارة الغامضة للواء محسن إلى مقر قيادة الفرقة الأولى مدرع في 21 سبتمبر 2014، أي في يوم سقوط العاصمة بأيدي الحوثيين. لقد كان هناك لغرضين اثنين فقط هما: تسجيل موقف مشرف في الدفاع عن العاصمة، ورصد إحداثيات القصف المدفعي والصاروخي على مقر الفرقة.

وبخصوص هذا الأخير فقد خرج بنتيجة معروفة تقول إنها نفس إحداثيات القصف في العام 2011. مما يعني أن المعسكرات الموالية لعلي صالح هي التي تخوض المعركة جنباً إلى جنب مع الحوثيين، وهذه هي النتيجة التي كان يريد للملكة السعودية أن تفهمها!.

لقد كان جميع خصوم الإصلاح يراهنون على معركة صنعاء لتقويض هذا الحزب، بما فيهم بعض أحزاب المشترك التي رعاها الإصلاح طوال فترة المعارضة لنظام صالح. حتى أن رئيس حزب كبير – من أحزاب اللقاء المشترك - كان يطمئن أصحابه المتخوفين من الحالة الحوثية بالقول: "لا تخافوا إنها مجرد تصفية للإصلاح واللواء محسن"!.

لكن الإصلاح خيب طموحات خصومه مرة أخرى. فقد انسحب من المواجهة، وربما سعى لتفاهم غير معلن مع الحوثيين لتسليمهم العاصمة دون مقاومة، بشروط تتعلق بأمن الإصلاح وسلامة أفراده (7).
وبهذا يكون الإصلاح قد وزع الصفعة الجديدة على الجميع بالتساوي!. الإصلاح: حزب مدني بالضرورة: خلال العامين 2013 – 2014 حصدت قيادة التجمع الكثير من سخط كوادر الحزب الشابة على وجه التحديد، بسبب ما اعتبره الشباب أداءً سياسياً وإعلامياً هزيلاً، ومسلكاً خضوعياً تجاه الحوثيين غير مقبول.

وقد تجلى هذا السخط في مظاهر كثيرة: منشورات ساخرة على صفحات التواصل الاجتماعي، مقالات في الصحف، أحاديث مجالس، إلخ. وقد بلغ السخط ذروته عندما أقدمت مجاميع منهم – بعد سقوط صنعاء - على تطويق مقر الأمانة العامة للحزب، وأغلقت بوابته، رفضاً لاستمرار الحزب في الحوار مع الحوثيين. كما ظهرت مطالبات عديدة بإجراء تغيير في قيادة الحزب التي وصفت بالغبية والمرتعشة خوفاً على مصالحها الخاصة!.

وقد تابعت قيادة التجمع هذا الحراك النقدي بكثير من القلق، بدا واضحاً في منشور أمين عام التجمع محمد اليدومي في صفحته على الفيس بوك، الذي دعا فيه الإصلاحيين للتماسك والاعتصام، ونبههم إلى طبيعة المخاطر التي يمر بها الحزب والبلد، وما شابه ذلك من الخطاب التقليدي الذي لم يجد إلا المزيد من السخرية والنقد لدى كوادر الحزب. لقد كشفت الأحداث منذ العام 2011 وحتى الآن نقاط ضعف كثيرة وكبيرة في الأحزاب السياسية اليمنية، وفي مقدمتها حزب الإصلاح نفسه.
ويمكن للمراقب أن يرصد مظاهر عديدة لنقاط ضعف هذا الحزب على مختلف المستويات السياسية والإعلامية والمؤسسية. منها على سبيل المثال غياب الرؤية الاستراتيجية والعمل المؤسسي للحزب، اللذين ظهرا بوضوح في أداء الحزب داخل أروقة مؤتمر الحوار الوطني.

إذ على الرغم من نجاحهم النسبي في الخروج من المؤتمر بأقل الخسائر المتوقعة، إلا أن الحزب بدا فقيراً في ما يخص الرؤى المستقبلية تجاه القضايا المصيرية المطروحة على الطاولة. فلم يكن لدية رؤى علمية مفصلة لمسائل خطيرة كالفيدرالية، والنظام الانتخابي للدولة الاتحادية، و – من قبل ذلك - لمواجهة الثورة المضادة، إلخ. وكان غياب مراكز الدراسات الاستراتيجية والتنبؤ بالمستقبل عن اهتمامات الحزب دليلاً كافياً على غياب التخطيط الاستراتيجي والرؤية العميقة للحزب.

وإذا كانت قيادة الإصلاح قد التزمت الصمت تجاه موجة النقد العارمة التي وجهها المجتمع من ناحية وكوادره الشابة من ناحية أخرى، فإنها تستطيع اليوم أن تباهي بنجاحها في الخروج بالحزب من أكبر الفخاخ التي نصبت له، أعني فخ الحرب الأهلية مع تحالف الحوثي وصالح.

فعلى الرغم من أنه قد خسر – خلال اجتياح الحوثيين لعمران وصنعاء - عناصر القوة العسكرية والقبلية لديه، ممثلة في نفوذ مشائخ آل الأحمر، وسقوط الفرقة الأولى مدرع، وخروج اللواء محسن من السلطة والبلد، وغير ذلك، إلا أنه قد تمكن من تجنيب اليمن حرباً أهلية كانت تنتظر من يفتح لها الباب، كما تمكن من الاحتفاظ بقوامه الشعبي وكوادره القيادية بأقل قدر من الخسائر.

وأصبح في مقدوره الآن أن يتحدث بثقة عن نهجه المدني وخياراته الديمقراطية أكثر من ذي قبل، وهو الأمر الذي شهد به كثير من خصوم الحزب في اليمن (8). ليس من السهل الآن تقدير الآثار التي ترتبت على موقف الإصلاح الرافض للدخول في أي حرب أهلية مهما كانت خسائره من عدم المواجهة.

إلا أن من المؤكد لدينا الآن أن هذا القرار قد ألحق الضرر بأطراف كثيرة كانت تتمنى التخلص من الحزب، وكأنما نجح الإصلاح في توزيع الصفعة المقررة له على وجوه الجميع بالتساوي. وتحول سقوط صنعاء من شَرَك للإصلاح إلى لعنة أصابت الجميع دون استثناء. وربما تؤكد الأيام القادمة أنه لولا قرار الإصلاح بتجنب الحرب الأهلية ما تشكل حلف "عاصفة الحزم" الذي قرر توجيه ضربة موجعة لتحالف الحوثي وصالح، ومن ورائهما إيران. ولعل هذا التحالف يكون نواة لتحالف عربي إسلامي واسع يغير من قواعد السياسة العربية في المستقبل. ,, انتهى ,,

باحث يمني
(عضو مؤتمر الحوار الوطني الشامل)
هامش:
١-لم يعد هذا التقسيم مستساغاً لدى غالبية اليمنيين، بعد أن جرت في الحياة السياسية والفكرية في اليمن مياه كثيرة منذ العام 1962من عام قيام الجمهورية اليمنية. إلا ان هذا التقسيم يستخدم بصورة غير رسمية وغير أكاديمية للدلالة على مناطق جغرافية مختلفة.
٢-مع أن محافظة تعز مكون واحد من مكونات مختلفة في المنطقة الشافعية، إلا أنها أبرز مكون فيها، بسبب الكثافة السكانية التي تتمتع بها، والتأثير الكبير في مجريات الحياة السياسية والثقافية.
٣- الحكم هنا باعتبار الأغلبية ولا يقصد به الشمول والإطلاق. من مظاهر نجاحه في تأسيس هذا الجيش، ما نراه اليوم من التفاف لقوات الحرس الجمهوري حول صاحب النظام السابق في مواجهة عاصفة الحزم، على الرغم من أنه لا يتمتع بصفة رسمية لقيادته.
٤-فضلنا اسم "الزيدوية" للدلالة على الثقافة التي خلفتها فترة الزيدية الإمامية في اليمن، تفادياً لما قد يسببه مصطلح الزيدية من لبس مع الفكر الزيدي، كما عرف في أدبيات الملل والنحل.
٥-أنظر كتاب: الشرائج الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني – لـ قائد نعمان الشرجبي – إصدار مركز الدراسات والبحوث اليمني.
٦-هناك حدث ذو دلالة في هذا الشأن، هو أن الإصلاح قد وقع اتفاقاً سريعاً مع الحوثيين – عقب دخولهم صنعاء مباشرة - يقضي بحقن الدماء بين الطرفين وعدم ارتهانهما لأي طرف أجنبي.
٧-ولعل هذا الاتفاق المفاجئ يكشف في الأيام القادمة عن مقدمات وأسرار تتعلق بسياسة الإصلاح ورؤيته لمسار الأحداث في المنطقة. إذ يبدو أن قيادة الحزب تحتفظ بالكثير من أسرار المرحلة!.
٨-كتب هذا التقرير قبل موجة الاعتقالات التي تعرض لها قياديون في الإصلاح على إثر تأييد الحزب لعاصفة الحزم.

نقلاً عن مجلسة سياسات عربية 



أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
اليمن في ظل دعوات الانفصال