الخميس, 17 مارس, 2016 04:22:40 مساءً

في إحدى جلسات النقاش الفكري كنت أحدث بعض أصدقائي أنني أنوي أن أكتب كتابا يرصد كيف تحولت رسالة الإسلام من القرآن إلى الحديث فهي الطريقة الأمثل لإقناع كثير من الناس ب"المشروع القرآني" الذي اندثر منذ وقت مبكر ، وهي الطريقة التي لم يرصدها أولئك المفكرون الذين ناقشوا "مشكلة الحديث" من قبل. تسلسلت الفكرة في ذهني وجمعت خيوطها، وبحثت في أهم منعطفاتها. وحين صارت شبه مكتملة فكرت أن أجعلها عنوان رسالتي للدكتوراة كي أعطيها حقها، لكن حال جامعاتنا وحدودها الضيقة في الذهن والواسعة في الثوابت جعلتني أتراجع عن الفكرة. بدأت في جمع المادة مستعينا بما كتبه أحمد أمين وأبوزهرة وغيرهم، وفي إحدى زياراتي للمكتبة وجدت عنوانا بارزا "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" !! اتجهت عيناي للمؤلف فوجدت ما لم أكن أتوقعه !! قلت لصديقي: المفكر القومي ؟ قال: نعم. قلت: المسيحي؟ قال: نعم. إنه جورج طرابيشي المفكر السوري.. لقد كفاني المؤنة.
لطالما سمعت عن اسمه كناقد لمشروع الجابري مستغربا كيف يفني رجل حياته في نقد مشروع رجل آخر !! ولكن لما اطلعت على بعض كتبه وجدته صاحب مشروع مستقل وإن كان مشروعه قد ارتبط بنقد مشروع آخر، فمشروعه في نظري من أدق مشاريع نقد العقل العربي وأبسطها. اتفقت معه كثيرا فيما طرحه على مشروع الجابري، بل واعتبرت أن من قرأ مشروع الجابري ولم يقرأ ما كتبه طرابيشي فإن كثيرا من الغبش سيطال رؤيته.
مرت الأيام وفاجأني صديقي بهدية جميلة كقلبه، إنها كتاب طرابيشي الذي لم أستطع شراءه حينها، ابتسمت بكل طاقتي في وجه صديقي عمار فابتسم قلبه.. هذا النوع من الكتب لا يحتاج إلى قراءة بل إلى دراسة، خاطبت صديقي. دراسة تتوقف عن كل فصل منه لتبحث موضوعه بكتب مرافقة وتناقش فصوله.. فاقترح صديقي أن نتدارسه سويا فوافقت، ولكن أحداث البلاد فرقتنا.
فصله الأول وجدت فيه تناقضا فها هو يستدل بالروايات التي سينقضها لاحقا، لكن الفصول السبعة اللاحقة كانت جميلة والجهد فيها واضح في تحقيق مقصد العنوان، وإن كان ينقصها رصد الفترة الزمنية التي قبل أبي حنيفة، لكن ربما قلة مصادرها هو ما جعله ينأى عن رصدها. في هذا الكتاب رصد الآليات الداخلية لإقالة العقل في الإسلام، وبه اختتم مشروعه في نقد نقد العقل العربي.
ذلك المشروع النقدي الذي ركز على إجابة سؤال أساسي: هل استقالة العقل في الإسلام جاءت بعامل خارجي أم هي مشكلة داخلية ومحكومة بآلية ذاتية يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟ ولما أغفل الجابري العامل الثاني أو قلل من شأنه -وهو الأخطر والأهم بنظر طرابيشي- اقتضى منه كتابة ذلك المشروع في خمسة كتب: نظرية العقل العربي، إشكاليات العقل العربي، وحدة العقل العربي، العقل المستقيل في الإسلام، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.. كما حاول أن ينصف في مشروعه المشرق العربي ورأى أن المشرق والمغرب واحدا بعد أن انتصر الجابري في مشروعه للمغرب العربي.
كتب طرابيشي عن سبات العقل في الإسلام، وهرطقات 1 عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة العربية، وهرطقات 2 عن العلمانية كإشكالية إسلامية إسلامية، ومصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، ومن النهضة إلى الردة.. كنت أضرب المثل بهذه الكتب وهذا المفكر لأولئك الكسالى الذين يرون في قراءة التراث عبثا، وأن تجاوزه هو الحل، وكأن التجاوز لأهم ما شكل الثقافة العربية يحدث في غمضة عين، هاهو مفكر قومي يقرأ بعمق وهدوء التراث الديني الذي شكل عقل بني قومه كي يفككه إلى أجزائه ليتضح له مكمن الخلل.. فهل عرفتم أن الدعوة العامة إلى تجاوز الدين لأجل النهوض نوع من الحمق والسخافة؟ على الأقل هي دعوة تتجاوز معطيات الواقع والتكوين العميق لابن هذه المنطقة من الأرض.
اعتزل طرابيشي في آخر عقده كثيرا من المؤتمرات والندوات والمقابلات التلفزيونية والزيارات لدول عدة كي يتفرغ لمشروعه الفكري، هذا ما قاله في زيارة نادرة له إلى عمان، لقد خصها بتلك الزيارة دون غيرها.. لمست في ندوته تلك أن لا زال بجعبته الكثير ليكتبه، ولكن المنية عالجته.. وربما تطبع له كتابات لم تنشر.. ودهشت جدا حين سمعته يقول بأنه لم يلتقي بالجابري بعد أن كتب مشروعه النقدي، ولم يكتب الجابري ردا عليه ولو بمقال!
إنه موسم الكتابة في الرثاء، مفكر تلو مفكر غادروا هذه الحياة وآخر ما رأته أعينهم عثرات كثيرة تمر بها البلاد العربية، عثرات مؤلمة لعل من بين فرثها ودمها يخرج لبنا سائغا يسقي هذا البلاد ويرفعها من انحطاها وتخلفها، وينقذ الإنسان من استبداد طغاتها، في أيام قلائل يغادرنا أولئك الذين بذلوا جهدا صادقا لنهضة بلادنا وإن اختلفت مشاربهم ورؤاهم لكن الصدق يجمعهم، والصدق وحده كفيل بتذويب كل الأسوار لتنصهر تلك الرؤى في رؤية هي الأكثر واقعية وبساطة ووضوحا وتناسقا.. لكن ما يهون علينا قليلا بعد رحيلهم أن هذه البلاد على عكس بلاد الله الأخرى يحيا فيها المفكر يوم يموت!!! حينها فقط يقولون عنه كان لدينا مفكر عظيم، وحينها أيضا قد يقرأون بعض كتبه، وحينها أيضا قد يكرموه أو حتى يعرفوه !!
لا أنسى أن أخبركم أن طرابيشي هو نفسه الذي ترجم زوربا، وترجم لهيجل وفرويد وسارتر واهتم كثيرا بترجمة الفلسفة والتحليل النفسي.. ولا أنسى أيضا أن أقول: رحمه الله.


أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
اليمن في ظل دعوات الانفصال