السبت, 05 مارس, 2016 10:24:19 مساءً

ما كدت أبتلع غصة الأمس بوفاة الدكتور طه العلواني حتى سمعت اليوم وفاة مفكر آخر أعتبره من ضمن أهم عشرة مفكريين إسلاميين معاصرين حركوا مياه الفكر والسياسة.
وحده حسن الترابي كان يشدني ويأسرني بحديثه لدرجة أني لا أمل حتى لو سمعته ساعات متواصلة، لغته القوية المصحوبة باطمئنان كبير لما يؤمن به تجعلك تسلم له ما يقول، كان لدى الترابي قدرة هائلة للإقناع ولجمع الناس حوله في تنفيذ مشاريعه التي يؤمن بها.
وصل إلى مسامعي اسم هذا المفكر أول مرة عبر هجوم متكرر من عدة اتجاهات إسلامية عليه. "إن هذا الرجل بكل جرأة يدعو إلى تجديد الأصول، تخيل" هكذا حدثني صديقي مندهشا ومحذرا في الوقت ذاته، وكون الكتاب قد صدر من ابن الحركة الإسلامية فقد أحدث حراكا فكريا كبيرا داخل الجماعات الإسلامية، فثلة المقلدين انطلقت لتنهال على الرجل بكل ما أوتيت من قوة لتصدر الأحكام لا لتناقش الأفكار، وقليل ممن يرون ضرورة التجديد وجدوا في الدعوة ثقبا لدخول النور، وانطلقوا بعدها لتوسيع الثقب.
سألت عن كتابه الذي دعا فيه دعوته، فاهتمامي كان مبكرا بعلم أصول الفقه، ذلك أني كنت أرى أن من استوعبه فقد مسك خيوط علوم الدين كلها، إذا هو المصنع المنتج الذي تقوم عليه القواعد في فهم الدين. وأخيرا وبعد عام من البحث وجدته بمكتبة أحد الأصدقاء بعد أن عييت من مكتبات صنعاء بحثا عنه للإعارة أو للشراء.
لم يشف صدري ذلك الكتاب في مباحثه ولكنه أقنعني بضرورة تجديد الأصول، ولعل أبرز ما علق بذهني من كتابه ذاك هو مبحثا الإجماع والقياس، فقد اعتبر دليل الإجماع بصورته القديمة تعطيلا له، وأن ذلك الدليل يتمثل اليوم في إجماع مجلس النواب، أما القياس فقد فصل بين قياسين لطالما توقفت عند أسئلتهما كثيرا حتى فك كتابه اللغز، إنه يحكي عن قياس واسع على أصول الشريعة كان يمارسه أبوحنيفة، وقياس ضيق على فروع الشريعة هو ما قعده الشافعي واستمر عند الأصوليين بعده، ورأى الترابي أن القياس الضيق جمد العقل وحاصره في أزقة الفروع، وأن الأولى العودة إلى قياس أبي حنيفة، ورأيه هذا يعتبر وجه آخر للدعوة المقاصدية التي نادى بها ابن عاشور ولم تأخذ حظها جيدا من التطوير، إلا ما ظهر مؤخرا من بوادر تجديدية حقيقية كتلك التي يقدم الباحث في المقاصد الدكتور جاسر عودة.
مرت الأيام وبحثت عن ما يشفي غليلي من فكر هذا الرجل فلم أجد له إصدارات فكرية فتحسرت، ثم اتجهت إلى مقابلاته التلفزيونية النادرة حينها فوجدت الترابي السياسي لا الترابي المفكر، كنت أرى انشغاله الكبير بالسياسة تقزيما له وحصرا في جغرافيا صغيرة، بينما هو قادر على إحداث تغيير فكري في كل الجغرافيا العربية والإسلامية، تلك الحسرة استمرت عندي حتى اليوم.
بين كم الحسرة تلك وجدت محاضرة مهمة تبثها الجزيرة مباشرة لساعات طويلة حول تجديد الفكر الإسلامي، كان يتحدث بلغة مليئة بالسخرية من الأفكار التي يراها أدت لتراجعنا، تلك الابتسامة والضحكة في الطرح أحدثت في داخلي انقلابا، ذلك أني حين كنت أدعو للتجديد كنت في خوف وقلة طمأنينة، فليس من السهل أن تتحول لأفكار أخرى غير تلك التي تشربتها على أنها دينا لا فكرا، إن ابتسامة الترابي تلك نقلتني من موضع المدافع عن نفسه فيما يؤمن به إلى المهاجم لأولئك الذين يحملون جنازة العقل جيلا بعد جيل، إن الإنسان تغيره مواقف نفسية كما تغيره أيضا أفكار، وهذا ما جعل مفكرا كزكي نجيب محمود يكتب عن نفسه قصة نفس وقصة عقل.
في تلك المحاضرة تحدث الترابي عن تفصيلات فكرية كثيرة وناقش قضايا متعددة جلبت عليه السهام من كل مكان، وهذا ما دعا جامعة الإيمان (اليمن) إلى عقد ندوة لترد على ضلالات الترابي تلك، جمع تلك "الضلالات" باحث متمكن يدرّس في الجامعة ذاتها ورد عليهم في عشرين مسألة، جمع من التراث ما يؤيد قول الترابي في جميعها عدا مسألة واحدة هي زواج المسلمة من غير المسلم، كانت تلك المرة الأولى التي أسمع بها عن اسم محمد المختار الشنقيطي الذي استوعب التراث فكان رده عليهم كفيلا بأن يخرج من الجامعة بعد حين.
كانت تلك الوجبة الثالثة من وجبات الفكر عند هذا الرجل حتى جاءت حلقة "مراجعات" التي كان يقدمها الدكتور عزام التميمي على قناة الحوار ففي حوالي عشر حلقات استعرض الترابي تاريخه السياسي والفكري وإن كان نصيب الأسد كان للسياسة، لكني خلصت حينها إلى أن الترابي والخميني هما أكثر من أحدثا انقلابا فكريا سياسيا في تاريخنا المعاصر، أحدهما على الفكر السني والآخر على الفكر الشيعي مع فوارق عدة بينهما.
مؤخرا وبعد أن قل نشاطه السياسي عن ذي قبل بدأ الترابي في رفد المكتبة الإسلامية بعناوين بعضها عن المرأة وقضاياها، فدافع عن حقوقها السياسية كما لم يدافع عنها غيره، ثم حاول أن يضع ملامح نظرية سياسية معاصرة، فكتب "المصطلحات السياسية في الإسلام" ثم "السياسة والحكم" الذي يجدد فيه الترابي مفهوم السلطان ويصله بالشورى والمجتمع مصدر الإجماع والسلطة في الإسلام، مركزا على تحليل الظرفين الاجتماعي والتاريخي اللذين انحطا بواقع المسلمين عن مثال الحرية والمساواة والعدل، وساهما في انحسار الفقه السياسي وأكدا الفصال بين الدين والحياة والسلطان والشعب والمجتمع والفرد، والدين كما يراه "توحيد" بين ذلك كله.
"التوحيد" هي الكلمة المفتاح لمشروع الترابي طوال مشوار حياته الفكرية والسياسية، ولذا أطلق ذلك العنوان على أهم إنتاج فكري كتبه الترابي "التفسير التوحيدي" ففي لغة متشبعة بأساليب القرآن اللغوية يكتب الترابي تفسيره، لغة قوية كشفت عبقرية أخرى عند هذا الرجل، تلك اللغة جعلتني أحدث صديقي عن حاجتنا لتفسير لنص الترابي قبل تفسير نص القرآن. يرى الترابي في تفسيره أنه مهما تفرقت آيات القرآن وتكثفت أو تباينت في ترتيبها في المصحف أو أسباب النزول أو عبر موضوعاته، فهي تتصل وتترابط في سياق منظوم سورا يحيط سورها بموضوعات ومعان موصولة موحدة إلى بقية الآي والسور، ثم عبر الزمان ماضيا وحاضرا ومستقبلا وأزلا وعبر ابتلاءات الإنسان إزاء متفرقات الوجود، فهي جميعا في كتاب الكون أو كتاب الوحي من الله الواحد الأحد سبحانه.
اعتكفت على الجزء الأول من تفسيره في قراءة نقدية مقارنة مع تفاسير أخرى، فوجدت أنه كان يمرر في كثير من تفسيراته ما قاله المفسرون السابقون ولكن بلغة معاصرة، دون التوقف كثيرا عند أسئلة المسلم المعاصر اليوم، بل ودون إعادة نظر فيما قاله المفسرون القدامى في تفسيرهم لبعض الآيات التي برز حول تفسيرها إشكال معاصر. كما أنه م يلتزم الترابي بما أسميه التفسير التزامني للنص كما عمله الجابري، ولم يلتزم بما أسميه التأويل التطوري للنص كما عمله شحرور، فكان تفسيره خليطا من هذا وذاك، فتداخل المعنى الزمني المقيد بالمعنى المطلق زمانا ومكانا. وبلغة أخرى لم يأخذ بخط السياق التاريخي للنص إلى نهايته، ولم يأخذ بالسياق المعاصر إلى نهايته. والخلاصة أن مسلم اليوم لديه أسئلة تحتاج إلى تحقيق تاريخي وعمق فلسفي وإبحار لغوي وهذا ما أنتظره من مفكري الإسلام اليوم، مشروع مؤسسي يقوم بذلك لا فرد بعينه. ولا زلت أنتظر ما سيكتبه الدكتور أبو يعرب المرزوقي في قراءته الفلسفية للنص القرآني، فربما سد فجوة معرفية ننتظرها.
رحل الترابي رحمه الله، رحل ذلك الرجل الذي تعاقب على السجن كما لم يتعاقب سياسي ومفكر مثله، رحل ذلك الرجل الذي أثار سخطا كبيرا حوله، رحل المفكر الكبير بعد أن أنبتت السودان أكبر كم من المثقفين في وطننا العربي. تلك الحركة الثقافية التي تعيشها السودان جعلني أكرر لأصدقائي بأن خيط النهضة الفكرية سيكون من هناك، فترقبوا شروق الشمس السودان.


أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
اليمن في ظل دعوات الانفصال