الخميس, 24 ديسمبر, 2015 08:25:55 مساءً

عندما زار المناضل العربي الكبير عبد العزيز الثعالبي اليمن آ«أغسطس 1924آ»، كانت الوحدة همه الشاغل، وخلال فترة بقاءه التي تجاوزت الشهرين، سعى لتقريب وجهات النظر حولها بين سلاطين الجنوب والإمام يحيى، كان الأخير مزهواً بانتصاراته التي حققها على اليمنيين، وفي غمرة ذلك الانتشاء أصر أن يكون الحاكم الأوحد، وبيديه مقاليد كل شيء؛ من جهتهم سلاطين الجنوب وضعوا برنامج أسموه آ«إصلاح الحكمآ»، دعوا فيه لنظام آ«اتحادي فيدراليآ»، يرتكز على أسس آ«دستوريةآ»، وأن يكون للدولة الجديدة آ«حكومةآ» تقوم مقام الإمام، وآ«مجلس أمةآ» يمثل الشعب. فشلت مهمة آ«الثعالبيآ»، وظل آ«الانجليز والإمامآ» جاثمان على أنفاس اليمنيين، لم تكن الوحدة حينها بالشيء المُقدس عند آ«الأحرارآ»، بقدر ما كان همهم تحرير الإنسان، الشهيد محمد أحمد نعمان نقل لنا جانباً من أراءهم في كتابٍ أسماه آ«من وراء الأسوارآ»، في حناياه يجزم المناضل أحمد المروني أن سكان آ«اليمن الأسفلآ» أكثر فهماً ودراية بما يهدف إليه آ«الأحرارآ» من ثورتهم، ومناطقهم مهيأة لقبول هذا الطارئ المُنقذ، أما مناطق آ«اليمن الأعلىآ» فهي حد وصفه ميدان للتشيع والغلو، وسكانها وإن بدو ساخطين من الوضع، فسرعان ما ينقلب سخطهم إلى رضا، خاصة عندما يسمعون آ«أبناء النبيآ» يطلبون نجدتهم، وهنا ينسون كل شيء؛ وينتصرون للآل والمال.
 
فيما يرى عبدالرحمن الإرياني أن حركة الأحرار لا يمكن ان تنجح في آ«اليمن الأعلىآ» إلا على اساس حطم صنماً وانصب صنماً آخر، ومن نوع الاصنام التي ألفوا عبادتها، ودعا إلى أن يركز الاحرار جهودهم في العمل على اتخاذ آ«اليمن الأسفلآ» مركزاً لحركتهم ودولتهم الجديدة، ولا ضير أن يتولى قيادتها مناضل آ«زيدي ـ قحطانيآ». يشاركهما الرأي محمد عبدالله الفسيل الذي ختم طرحه بقوله: آ«فإذا تكونت حكومة الأحرار وأصبحت حقيقة واقعية في المنطقة الشافعية أمكن اكتساح المنطقة الزيدية وإعادة اليمن إلى وحدتهاآ»، أما آ«أبو الأحرارآ» الشهيد محمد محمود الزبيري فقد أكد في كتابه آ«الإمامة وخطرها على وحدة اليمنآ» أن الأغلبية الشافعية لن تقبل أن تحكم حكماً مذهبياً لا يعبر عن إرادتها ولا عن عقيدتها، وأن الانقسام سيبقى ما بقيت الإمامة.
 
في منتصف القرن الفائت كان المد القومي هو السائد، وكانت شعارات الوحدة تُلهب حماس الجماهير، وعلى وقعها تجسدت واحدية النضال اليمني، وكما بدأ أحرار الشمال نضالهم من عدن، بدأت فصائل آ«14أكتوبرآ» نضالها بدعم وإسناد من الشمال، تحت شعار آ«الاستقلال والوحدةآ»، وكانت مدينتي آ«تعزآ» وآ«قعطبةآ» الملاذ الآمن للثوار، ومركز دعمهم، آمن الغالبية بالوحدة حد التعصب، وحين دعا عبد الرحمن البيضاني لقيام آ«دولة شافعيةآ» من عدن، رُمي بالأحذية من قبل أبناء الجنوب؛ التواقين لحظتها للوحدة مع آ«الزيودآ».
 
وفي المقابل كانت شعارات الوحدة تؤذي الانجليز وحكومتها الاتحادية، وقد أصدروا آ«يونيو1963آ» قانون صارم موجه لدعاتها، جاء نصه: آ«من يوافق أو يدفع الآخرين إلى التفكير بأن اتحاد الجنوب العربي يعتبر جزء من دولة أخرى، يتعرض لعقوبة السجن لمدة لا تزيد عن سبع سنوات؛ أو لغرامة لا تزيد عن خمسمائة جنيه استرلينيآ».
 
في أول حكومة جمهورية أصدر الرئيس عبد الله السلال قراراً بتعين قحطان الشعبي وزيراً لشؤون الجنوب، وفي أول خطاب له بعد أن أصبح رئيساً قال آ«قحطانآ» أنه مستعد لإعلان الوحدة إذا كان الأخوة في الشمال عندهم نفس الاستعداد؛ رد الرئيس عبد الرحمن الإرياني بخطاب مماثل عبر فيه عن استعداده للتنازل عن الرئاسة، وما على آ«قحطانآ» إلا أن يتوجه إلى صنعاء ليتسلم مقاليد السلطة، وبين الخطاب والخطاب المضاد برزت نبرة آ«استعطاف الجماهيرآ» وظلت مستحوذة على المشهد، انقلب آ«الرفاقآ» على آ«قحطانآ»، وفي تعز آ«نوفمبر1970آ» التقى خلفه سالم ربيع علي بـ آ«الإريانيآ»، وتركزت مشاوراتهم على قيام آ«اتحاد فيدراليآ» بين الدولتين.
 
ألقى الصراع القُطبي بظلالة على الخارطة اليمنية، ولم يعد التنقل بين الدولتين متاحاً كما كان في عهدي الأئمة والانجليز؛ زادت القطيعة، وحل الشقاق، رغم أن الوحدة كانت مصدر مشروعية النظامين؛ يتغنون بها؛ ويتهمون بعض بعرقلة تحقيقها؛ ومن أجلها اشعلوا الحرب؛ وسفكوا الدماء. آ«المشايخ المتحولونآ» انتكاسة كبرى اعترضت مسار آ«الجمهوريةآ» الوليدة، ولولاهم ما استمر مخاضها لـ آ«8آ» سنوات، آ«جمهوريونآ» في النهار، آ«ملكيونآ» في الليل، وحين افتضح أمرهم قاتلوا في صف من يدفع أكثر؛ تحققت المصالحة الوطنية، فاتجهوا آ«1972آ» نحو الجنوب، بعد أن استدرجتهم القيادة هناك لفخٍ لـ آ«الارتزاق الجديدآ»؛ وعلى مائدة غدائهم الأخير تمت تصفيتهم جميعاً، وكان أشهر الضحايا علي بن ناجي آ«الغادرآ»، الشيخ الذي عاش آ«غادراًآ» ومات آ«مغدوراً بهآ».
 
اكتفى آ«الإريانيآ» بالإدانة، فيما أصر مشايخ اليمن الأعلى على الأخذ بـ آ«الثأرآ»، اندلعت الحرب آ«2أكتوبر1972آ»، قتل بعض أفراد القبائل بنيران صديقة؛ فكان النصر جنوبي؛ تدخلت الجامعة العربية، وجمعت بعد آ«26آ» يوماً بين رئيسا وزراء الدولتين علي ناصر محمد ومحسن العيني، فكانت آ«اتفاقية الوحدةآ»، أفصحت القوى القبلية عن معارضتها لها دون طرح البديل، فخسر آ«العينيآ» منصبه. التقى الرئيسان آ«سالمينآ» وآ«الإريانيآ» نهاية الشهر التالي بـ آ«ليبياآ»، فكان آ«بيان طرابلسآ»، تم الاتفاق على مسمى الدولة، والعاصمة، والعلم، مع التأكيد على ضرورة الإسراع في تنفيذ آ«اتفاقية القاهرةآ»، وفي آ«الجزائرآ» تجدد اللقاء آ«سبتمبر1973آ»، استبدلت لغة التعجيل بلغة تهيئة الأجواء، خاصة وأعمال التخريب في المناطق الوسطى كانت على أوجها، منتصف العام التالي غادر آ«الإريانيآ» السلطة، وحل محله إبراهيم الحمدي أحد معارضي آ«اتفاقية الوحدةآ»، أصدر أمراً عاجلاً بوقف الحملات الإعلامية ضد آ«الجنوبآ»، بادله آ«سالمينآ» ذات الموقف، أسسا لعلاقة ودية أخذت الطابع الشخصي أكثر من الرسمي، التقيا في قعطبة آ«فبراير1977آ»، وبعهدهما كان تحقيق الوحدة أمراً ممكنا. أزاح آ«الحمديآ» القوى القبلية والعسكرية التي أزاحت آ«الإريانيآ»، وقرب قوى عسكرية من آ«همدانآ» ومن آ«سنحانآ»، فكانت نهايته على أيديهم، وكان لـ آ«السعوديةآ» الأثر الأكبر في انقلاب هؤلاء عليه، أشترتهم بالمال، ووعدتهم بالسلطة، بعد أن تأكد لها أنه ذاهب في اليوم التالي إلى عدن ليحتفي مع صديقه آ«سالمينآ» بالذكرى آ«14آ» لـ آ«14أكتوبرآ»، ويعلنان آ«الوحدةآ» من هناك، آ«الحمديآ» الذي صعد إلى الكرسي بتأييد آ«سعوديآ» ذهب ضحية تأمرها، كانت أول دولة يزورها، وأول دولة تتلقى نبأ مقتله بشفرة آ«الصابونة وقعتآ». آ«الحمديآ» وآ«سالمينآ» رئيسان آ«أحبهماآ» الشعب، حاولا التخلص من هيمنة آ«القبيلةآ» وآ«الايدلوجياآ» فتُخلص منهما، وبعد آ«8آ» أشهر وآ«15آ» يوماً من مقتل آ«الحمديآ» أنهى آ«الرفاقآ» حياة آ«سالمينآ» بذريعة القضاء على آ«طفولته اليساريةآ»؛ وقبل ذلك بيومين قتل الرئيس أحمد الغشمي بحقيبة مفخخة قادمة من الجنوب؛ تتشابه النهايات، بيد أن الأخير ليس آ«محبوباًآ» البتة، وكما يحظى قبر آ«الحمديآ» بآلاف الزوار لقراءة الفاتحة عليه، لا يزال قبر آ«سالمينآ» مجهولاً حتى اللحظة. طلب علي عبدالله صالح من المشايخ دعمه كي ينتقم من قتلة آ«الغشميآ»؛ ومن آ«السعوديةآ» أتت طائرة خاصة أقلت الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر إلى جدة؛ وهناك أقنعه آ«الأشقاء ـ مصدر شقائناآ» بضرورة مساندة آ«صالحآ»، فيما تولى صالح الهديان الملحق العسكري في السفارة السعودية بصنعاء، الرجل الأول في اليمن حينها؛ مهمة إقناع باقي المشايخ المعترضين، أصبح آ«صالحآ» رئيساً للشمال، وسارع المحللون بالتنبؤ بأن الكرسي الملتهب سيلفظه خلال أسابيع. لم يبدأ آ«صالحآ» حربه الانتقامية، بل بدأها الجنوبيون، وسيطرت قواتهم آ«24فبراير1979آ» على عديد قرى ومدن شمالية، أعترض آ«الروسآ»، فرد مسؤول جنوبي كبير على السفير آ«الروسيآ» بعدن: آ«نعم نحن بدأنا الحرب؛ إذا ربحنا سنخلق اليمن الكبرى، وإذا خسرنا ستتدخلون لحمايتناآ»، تدخلت الجامعة العربية إلى جانب الشمال، وهددت سوريا والعراق بإرسال قوات إذا لم يتوقف القتال، لتنتهي الحرب نهاية الشهر التالي، باجتماع الرئيسين آ«صالحآ» وعبدالفتاح اسماعيل بـ آ«الكويتآ». اتفق الرئيسان على وضع برنامج زمني لتنفيذ آ«اتفاقية القاهرةآ»، وأوكل إلى السلطتين إنجاز دستور الوحدة خلال أربعة أشهر، وإنهاء التجزئة حلال عام واحد، أقنع آ«صالحآ» المشايخ المعترضون بضرورة المناورة وكسب الوقت؛ فيما أضطر آ«فتاحآ» أن يقدم استقالته آ«ابريل1981آ»، بعد أن أتهم بالتواطؤ مع الشمال.
 
أصبح علي ناصر محمد رئيساً للجنوب، تجددت لقاءته مع آ«صالحآ» في كل من عدن وصنعاء وتعز لأكثر من مرة، وأيضاً في فاس بالمغرب، تم الانتهاء من إعداد دستور الوحدة آ«ديسمبر1981آ»، وفي العام التالي توقفت المواجهات في المناطق الوسطى، ونجح الرئيسان بإيقاف آ«حرب ثالثةآ» كانت على وشك الاندلاع آ«1985آ»، إثر اكتشاف النفط على خطوط التماس. آ«ناصرآ» ذو النزعة السلمية في صراعه مع الشمال، فجر حرباً اهلية ضد رفاقه بالجنوب آ«13يناير1986آ»، استمرت لـ آ«10آ» أيام، قتل بسببها حوالي آ«4000آ» مواطن، وعدد كبير من قيادات الحزب الاشتراكي، لم تأتي نتائج الحرب لصالحه، هرب شمالاً، وأصبح علي سالم البيض الرجل الأول في الحزب.
 
تحققت الوحدة آ«22 مايو1990آ»، بعد مقدمات خائبة وآ«اتفاقية هشةآ» أبرمها آ«البيضآ» وآ«صالحآ»، بدت كمخرج لـ آ«قيادة شماليةآ» طموحة تبحث عن آ«برنامجآ» يجمع الشعب حولها، ومخرج لـ آ«قيادة جنوبيةآ» مُنهكة، شارفت خزينها على الإفلاس، وانحسرت شعاراتها وإنجازاتها، مع تفكك منظومة داعميها، وهذا المأزق أكبر بكثير من المأزق الشمالي، لذا فقد كانت الهرولة إلى الوحدة بلا كوابح.
 
دخل آ«شركاء الإنجازآ» من الوهلة الأولى في صراع ليس آ«ايدلوجيآ» بقدر ما هو آ«مصلحيآ»؛ تاجروا بأحلام البسطاء ومشاعرهم، وفصلوا الدولة على مقاساتهم، وكان همهم البقاء على رأسها، والتمتع بامتيازاتها، ظلت الوحدة مرهونة ببقائهم؛ وظل كل طرف يتربص بالأخر، بدليل عدم إدماج الجيش، بما يشبه الاستعداد المسبق لأي طارئ، قد يزيح هذا الطرف أو ذاك. بانتهاء آ«الفترة الانتقالية ـ الانتقاميةآ» بلغ الصراع مداه، أحس أحد آ«شركاء الانجازآ» بهزيمة شبه مدوية أمام خيار آ«الديمقراطيةآ» الذي كان محل رضاه، ومع بروز طرف ثالث لم ينضج بعد؛ طغت آ«الايدلوجياآ» على آ«المصلحةآ»؛ وحضرت صراعات الماضي غير البعيد، وغابت آ«الوحدةآ» التي كانت حتى الأمس القريب آ«تجب ما قبلهاآ».
 
بعد أحداث الشغب التي اجتاحت تعز وصنعاء نهاية العام آ«1992آ»، عقد التجمع اليمني للإصلاح مؤتمر آ«الوحدة والسلامآ»، عمل على إخمـاد مواضع الانفجار، مـع ميل خفي نحـو آ«صالحآ»، ليتحول فيما بعد إلى آ«خادم مُطيعآ» لهذا الأخيـر، بدليل تحميل الشيخ آ«الأحمرآ» وعبدالوهاب الأنسي الحزب الاشتراكي وحده مسؤولية افتعال الأزمة، رغم أن أكثر من آ«150آ» من كوادر آ«الحزبآ» تعرضوا للاغتيال، دون أن تفصح السلطة عن أي غريم.
 
كانت رؤية آ«عودة الفرع للأصلآ» لا تزال مسيطرة على الزعامات القبلية التي كانت وما زالت تلعب دور المصلح التقليدي، وهو الدور الذي غاب وغيب لحظتها، ما جعل القيادات الجنوبية تشعر أن دورها أصبح ثانوياً، خاصة بعد إجراءات تعديل الدستور الانفرادية، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما سمي بسياسة آ«الاعتكافآ»، اختزل آ«البيضآ» مطالبه بـ آ«الوحدة والديموقراطية والحياةآ»، لا آ«الوحدة والموتآ»، فيما بقي آ«الحكام الجددآ» يترقبون آ«عودة الابن الضالآ».
 
لم يعد آ«البيضآ» بل ذهب الجميع إلى الأردن آ«20فبراير 1994آ»، ووقعوا هناك على بنود آ«وثيقة العهد والاتفاقآ» بعد تلكؤ شديد من حزب آ«صالحآ»، وإصرار كبير من حزب آ«البيضآ» الذي اعتبر تلك الوثيقة بمثابة انتصار له، كونه استطاع أن يتجاوز البرلمان الذي لا وجود مؤثر له فيه، كما استطاع أن يضع كافة شروطه ومطالبه التي تضمن له النفوذ والبقاء في السلطة، سواء أكان ذلك عن طريق تجريد الرئيس من كثير من مهامه وإعطائها لرئيس الوزراء، أو عن طريق فرض آ«نظام اللامركزيةآ»، وتجريد الطرف الآخر من أبرز وسائل قوته بإخراج وحدات الجيش من المدن، وإلغاء وزارة الإعلام، وتقليص صلاحيات البرلمان بإنشاء مجلس للشورى يختار أعضاؤه من أبناء المحافظات بالتساوي، ومنع حيازة السلاح، والعمل على إنهاء الوجود المسلح غير الرسمي في إشارة إلى أسلحة القبائل، والكثير من البنود التي تؤسس لدولة مدنية كانت وما زالت حلم الجميع. في اليوم التالي، وأحبار أقلام من وقعوا تلك الوثيقة لم تَجف بعد، بدأت المدافع في محافظة أبين تتبادل القصف بين قوات لواء آ«العمالقةآ» الشمالي وقوات لواء آ«مدرمآ» الجنوبي، لتندلع الحرب الشاملة آ«4مايو1994آ»، فيما ظلت مهمة المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي تراوح مكانها؛ ورغم الدعم المهول الذي حظي به الحزب الاشتراكي آ«الكافرآ»؛ من قبل الإمارات والسعودية آ«الرجعيتانآ»؛ حسم آ«صالحآ» المعركة لصالحه خلال آ«68آ» يوماً، وصار الحاكم الأوحد، وبيده مقاليد كل شيء.
 
في مذكراته يقول الشيخ آ«الأحمرآ» أن السعودية لم تكن ضد الوحدة، وأنها لو كانت كذلك لمنعتها في مهدها، والحقيقة أن الوحدة تحققت بدعم من الرئيس العراقي صدام حسين، الرجل الأقوى حينها، الذي كانت تهابه دول الخليج؛ كانت علاقته مع آ«البيضآ» وآ«صالحآ» جيدة، بل أن الأخير أرسل آلاف الجنود اليمنيين لدعم العراق في حربها مع إيران؛ وكان ينعت بـ آ«صدام الصغيرآ»؛ ويقال أن التعجيل بإعلان الوحدة جاء بإيعاز من آ«صدام الكبيرآ»، الذى وقع بعد أقل من آ«3آ» أشهر في مصيدة غزو آ«الكويتآ»، وجعل آ«العربآ» قبل آ«الغربآ» يسارعون للتخلص منه، رحلَّت السعودية حينها مليوني مغترب يمني، وما ذلك إلا جزء يسير من اعتراضها على الوحدة.
 
لا يمكننا الجزم أو الخوض في تفاصيل مبادئة طرفي الصراع، سوأ في آ«أبين أو عمران أو يريم أو حرف سفيانآ»، كونه آ«ورقة خفيةآ» من مهازل التآمر السياسي المحفور بعناية في تاريخنا وواقعنا المأزوم، ونتيجة حتمية لفشل الصيغة السياسية السرية التي صنعت آ«الوحدةآ» المأزق؛ ومن حقنا أن نتسأل: هل الحزب الاشتراكي المنتصر لحظتها من خلال تلك الوثيقة آ«أحمقآ» ليجازف بنسفها، أم آ«المستفيدآ» طرف آخر نعرفه جيداً؟!.
 
يحسب لـ آ«صالحآ» إجادته اللعب بالأوراق، وحسن دراسته كمستبد فائق الذكاء لنفسيات خصومه، استغل سذاجة آ«شركائه الجددآ»، فكانوا بالفعل سنده البارز في تثبيت دعائم حكمه الإقطاعي، ولولاهم ما أنتصر في حرب آ«صيف 1994آ»، التي قتلت الآلاف، وتسببت بخسائر فادحة تجاوزت الـ آ«10آ» ملايين دولار، وضعهم بين فكي كماشة آ«عقدتهم المتجددةآ» التي يلخصها المثل الدارج آ«أعور ولا أعمىآ»، أو بالأصح آ«جني تعرفة، ولا إنسي ما تعرفوشآ».
 
وقفت آ«الهاشمية السياسيةآ» حينها ضد آ«صالحآ»، وساندت قبائلها القوات الجنوبية عسكرياً في آ«عمرانآ» وآ«حرف سفيانآ»؛ وسياسياً ارتمى آ«حزب الحقآ» والذي كان حسين الحوثي أحد أبرز قاداته في أحضان قادة الانفصال. هناك مغالطات منمقة بأوهام التاريخ، تزدحم بها مناهجنا ووسائلنا الإعلامية، تفرض نفسها على حساب المعلومة الصحيحة، وتتكرر بصيغة: آ«الوحدة الضاربة جذورها في أعماق التاريخآ»؛ وأن الانقسام والتجزئة ما هو إلا صنيعة استعمارية مستجدة، والحقيقة المؤكدة أن اليمن وعبر تاريخها الممتد لم تتوحد سوى آ«6آ» مرات فقط، كان التوحد الأول في القرن الثالث الميلادي بقيادة الملك الحميري آ«شمر يهرعشآ» الذي حمل اللقب الطويل آ«ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنتآ»، واستمرت لـ آ«3آ» عقود، وفي العهد الإسلامي قسمت اليمن إلى عدة مخاليف تراوحت أعدادها بين الاثنين والأربعة، ثم أصبحت ولاية واحدة مع نهاية العهد الأموي وبداية العهد العباسي الأول.
 
علي الصليحي آ«الدولة الصليحيةآ»، وسيف الاسلام طغتكين آ«الدولة الأيوبيةآ»، وآ«المظفرآ» يوسف بن عمر آ«الدولة الرسوليةآ»، تمكن ثلاثتهم من توحيد اليمن في القرن الخامس، والسادس، والسابع الهجري، لبضع سنوات من كل قرن، وفي القرن الـ آ«11آ» الهجري تمكن الإمام الزيدي آ«المتوكلآ» إسماعيل من توحيد اليمن للمرة الخامسة لأقل من آ«3آ» عقود، ولم تعرف اليمن الحدود الفاصلة بين آ«شمالهاآ» وآ«جنوبهاآ» إلا في عهدي الاحتلال آ«الانجليزيآ» وآ«التركيآ»، وسجل ذلك رسمياً آ«1914آ». شهد آ«صالحآ» في إحدى خطاباته بأن آ«البيضآ» هو الصانع الحقيقي للوحدة؛ والأعجب أن الأخير أعلن الانفصال تحت ذريعة آ«إعادة تحقيق الوحدة بشكل صحيحآ»؛ وحين طرح سالم صالح محمد آ«الفيدراليةآ» كحل ناجع لإنهاء الأزمة آ«نوفمبر1993آ»، جوبه بحملة شعواء من الجميع، ولو عدنا إلى عشرينيات القرن الفائت لوجدنا أن سلاطين الجنوب في تعاطيهم مع مبادرة آ«الثعالبيآ» السابق ذكرها، كانوا أذكى، صحيح أن بقاءهم على مناطق نفوذهم كان همهم الأول، إلا أنهم عارضوا طموحات الإمام يحيى التوسعية، وتحمسوا لـ آ«الفيدراليةآ»، كخيار يحفظ وحدة آ«الإنسانآ» قبل آ«الجغرافياآ».


أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
اليمن في ظل دعوات الانفصال