الإثنين, 09 سبتمبر, 2019 07:28:27 مساءً

عزيزتي بلقيس أحمد فتحي: تمنيت لو أن والدك منحك اسم أخر؛ كي لا تلطخين قداسة أمنا الأولى وتخدشين شرف الاسم الذي تحملينه. لم يزعجني موقفك بقدر خجلي من نطق اسمك متبوعًا بعار الفضيحة.
ليس العار أن تحملين هوية بلد جديد؛ لكن الفضيحة أن تجاهرين بالانتماء لهويتك الطارئة على حساب جذورك الأولى، تستبدلين مجد الولاء الكبير لحضارة تمتد آلاف السنين بالولاء لدولة شاذة ولقيطة. تفعلين ذلك في ظرف يتعرض فيه بلدك الأم لأكبر طعنة من بلدك المستضيف.
 
إنك تقزمين نفسك يا بلقيس، حين تتشامخين ببلد ملطخ بالعار من المحيط إلى الخليج، أنتِ هكذا لا تكسبين مجدًا ولا تحوزين شرفًا بإعلانك هذا، بقدر ما تجردين نفسك من امتدادك التاريخي المهيب. لا تخونين بلدك الأم، بقدر ما تخونين ذاتك وتقطعين جذورك، لتقفين في العراء، مكشوفة وتائهة بلا جذور ولا غطاء، إنك لا تخصمين من كبرياء شعبك بقدر ما تخفضين من مهابة نفسك.
 
حسنًا يا بلقيس، أعلم أنك مبهورة بهم، إنك لا ترينهم على حقيقتهم، بقدر رؤيتك لهم من زقاق ضيق، ترينهم من زقاق ذاتك المستلبة بهم. اخرجي من ذاتك المخنوقة وسترين وجهًا أخر لبلد المضيفين، وجهًا بشعًا يخجل معه المرء أن يجاهر بالإقامة فيه ناهيك عن الانتماء له.
 
هم يفتحون لك ذراعهم، يقدمون لك شقة فاخرة ويهيئون لك موطن إقامة وثير، يبالغون في إكرامك، ثم تنطلق طائراتهم من محل إقامتك لتُسقط قذائف الموت على أهلك وأبناء بلدك. هل أنتِ راضية تمامًا يا بلقيس..؟ ألا تشعرين بالخجل، أليس فيك بقايا أثر لهواء البلدة التي أنجبت أباك..؟
أم أنك لم تسمعين بصنائع الأنذال في بلدك..؟
 
أتدرين يا بلقيس، في الوقت الذي تكتبين فيه مفاخرة بانتمائك لهم، كانوا يحتشدون ليمزقون وطنك الأول، يصفون أهلك بالإرهابيين ويستعرضون فائض قوتهم لإذلالهم، ينتهون من عملهم اليومي ويذهبون ليبادلوك كلماتك الشكر على اعتزازك بهم وبالانتماء لبلدهم وما زالت أياديهم ملطخة بدم أقاربك.
 
لو أنكِ تفاخرتِ بالانتماء لهم في لحظة تصالحنا معهم، لما كان الأمر جارحًا أكثر لكبرياء بلدك الحزين؛ لكنكِ اخترتِ توقيت مؤذٍ، توقيت كان فيه شعبك ينتظر منك موقفًا باعثًا للزهو، إعلانًا يفصح عن نداء الهوية ويعلي من قداسة الانتماء لمواطن الأجداد.
 
لم يحدث هذا، وحدث ما هو مستفز أكثر، لقد جاءت الخيبة بقدر مرارة اللحظة، وبدلًا من أن تستيقظ فيك مهابة التأريخ، سقط جلبابك تحت أضواء الأبراج الزجاجية المستحدثة، وكان سقوطًا مدويّا. إننا لم نخسر موقفك يا بلقيس، بقدر خسارتك لأمة من الناس، تهاويتِ فيه من قلوبهم المغدورة من ذات البلد الذي تفاخرين به. يا له من موقف مهين، لقد وقعتِ ضحية لهشاشتك الداخلية حين سال لعابك أمام خدعة المشاهد البصرية المنمقة لدولة سافرة، بلا شرف.
 
أنا على يقين، أنهم يحتقرونك يا بلقيس، يحتقرونك أكثر مما نحتقرك نحن، حتى وهم يثنون عليك؛ لكنهم في أعماق قلوبهم يسخرون منك، سيقولون في أنفسهم، إذا كانت هذه المرأة مستعدة للتواطؤ معنا وامتداحنا في لحظة نرتكب فيها الفواحش في بلادها، فمن المحتمل أنها غدًا تتخلى عن الانتماء لنا متى غيّرت الموطن وغادرت مكان إقامتها .
 
مهما حدث يا ولدي، كنّ يمنيًّا، مهما كان بلادك ممزقًا وجريحًا، لا تتخل عن التمسك به، في اللحظات العصيبة للأوطان تُمتحن أصالة الانتماء.
 
بلقيس أيتها المرأة الفاقدة للذاكرة، أيتها الفنانة الهشة والقلقة، إن إعلانك الانتماء لبلدك الذي تقيمين فيه برفاهية، لا قيمة له، إنك لا تنتمين له بقدر انتماءك لسعادتك المؤقتة، تتمسكين برفاهيتك الخاصة، لتمعنين في إيذاء شعبك المحب لك والمعذب.
 
لكني على يقين يا بلقيس، لو دار الزمان دورته، تغيرت الأحوال ونضب النفط وشحت الأموال في إمارتك الحالية، ستشدين الرحيل لبلد ثان، وتتنكرين لما تقولينه اليوم. وإن صادف أن كان هذا البلد اليمن وقد تعافى من كربته، ستعتذرين عن ما تقولينه اليوم، وتعتلين أقرب مسرح في العاصمة، لتغنين: أمي اليمن، سيسمعك اليمنيين الطيبين الذين يغضبون عليك اليوم ويلعنونك، ولن يتناسوا أنك واحدة منهم ولو أنكِ خذلتي كبرياءهم في لحظة عصيبة؛ لكنهم لن يعاملوك بالمثل. سيغفرون لك ويحتضنونك مجددًا بكل مساوئ سقوطك القديم.
 
حينها ستشعرين بالخجل، وتعرفين أن لا شيء يدوم للمرء سوى وطنه وشعبه وألا مجد خالد سوى مجد الانتماء له. في لحظات اعتلاله وسقمه، كما في لحظات سعادته وصحته.
 
قليلون من ينجحون في امتحان الولاء يا بلقيس، قليلون هم أولئك الممتلئين بالثبات المشحونين بعنفوان الروح الأصيلة ومشاعر الإباء الوطني الكبير. قليلون أمام الكثير الذين يتساقطون تحت غواية المال وحلاوة العيش الرغيد، وأراك من هذا النموذج الأخير.. يا له من سقوط فاضح ويا له من عار كبير
 
كل شيء سينتهي يا بلقيس، سينتهي المال والبهجة وزخم الحضور، ستشيخين ويذهب مجدك المؤقت، سيولد جيل جديد، بذائقة فنية مختلفة، وسيطمرك التأريخ وتتجاوزك حركة الحياة، ولن يتذكرك أحد. لن يتذكرك من تتفاخرين بهم اليوم، فلا أحد يعتز بالغرباء الذين يتخلون عن أوطانهم، سيدفنونك وينتهي ذكرك بعد فترة قصيرة. لن يتبق لك شيئًا، سوى مجد الموقف وجلالة الانتماء للأرض، وها قد أضعتينه بخفتك وغباءك، ويا لها من خسارة مدوية.
 



قضايا وآراء
أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
التحالف يحمي المقاتلين الحوثيين