محافظ مأرب يرأس اللجنة الأمنية بمأرب لمواجهة تحديات المحافظة     شروط الشرعية للحوار مع الانتقالي     انقلاب عدن.. هل السعودية مشاركة فيه؟!     نواب يمنيون ادانوا انقلاب الامارات على الشرعية بعدن فمن هم؟     تسريب خطير للمخابرات الأمريكية يمثل ضربة قاضية لهاني بن بريك     تصفية الشرعية تحت شماعة حزب الإصلاح     المهمة الجديدة للسعودية والإمارات في اليمن (تحليل)     هل بدأ طارق عفاش فعلياً بالتحرك لمحاصرة تعز     وزير الداخلية اليمني يربك تصريحات التحالف باعترافه بالهزيمة.. لماذا؟     الحوثيون يداهمون منازل المواطنين بقرية سليم الضالع (أسماء المختطفين)     معارك عنيفة بعدن وسقوط معسكر جبل حديد بيد الحماية     عبدالفتاح مورو أقوى المرشحين لرئاسة تونس     دبلوماسي سعودي يستغرب الحملات ضد الإصلاح     وزير الداخلية اليمني: بيان الفتنة مرفوض وكنا جاهزين للتعامل مع الموتورين     الأمم المتحدة تحقق في عمليات فساد في وكالاتها العاملة في اليمن    

الإثنين, 24 يونيو, 2019 11:41:35 صباحاً

كنا في السابق تستخدم اللغة بشكل مختلف عما هو اليوم، كانت هي الحياة بشكلها الواقعي، من خلالها يعرف الفرد أنه كائن ذو وجود وذو حيز يؤثر ويتأثر في الطبيعة والتاريخ، كانت اللغة هي الذاكرة والتاريخ والإنسان العابر والمتجاوز للزمان والمكان، فإذا ما سافرنا من بلد إلى آخر تفصل بينهما المسافات الطويلة كنا نطوي تلك المسافة باللغة وكأن اللغة أصبحت وحدة قياسية ذات موجات كهرولغوية تقرب البعيد وتطوي الزمن بين ألفاظها، نتداول القصص والأخبار، يتعارف الناس فيما بينهم، فما تلبث أن تصل وجهتك وكأن الزمكان إندمجا في اللغة فصارت هي من تحملنا.
في ذات مرة سافرت براً من مدينة بونا في الهند حتى مدينة بنجلور، وهي مسافة كبيرة جداً قرابة 17 ساعة، رغم الأقاليم التي قطعناها والوديان والجبال والمناظر الخلابة، إلا أنني كنت كاليتيم، كانت كل ساعة تمر علي كما ولو أنها يوما بأكمله، والسبب أن اللغة اختفت، الجميع يتكلم اللغة الهندية، كنت إذا سافرت من صنعاء إلى البيضاء أبحث عن راكب بجواري لا يمضغ القات، لأن الذي يخزن لا يتكلم كثيراً، وإذا لم يحالفني الحظ، فأعانني كثيراً فيبدأ ألم الأرجل والظهر والتثاؤب والدوار، فما أصل البيت إلا وكأن السفر اجتزأ شيئاً مني.
اليوم تكاد تتلاشى اللغة تماما، لتحل محلها اللغة الرقمية الصامتة، أركب في الباصات والقطارات فلا أسمع كلمة، سوى (excuse me) عفوا من فضلك، الجميع منشغلٌ بالجوال، لا لغة تتحرك، لا حياة، لا إنسان، تصل إلى عملك الجميع منهمك ٌ بجهاز الحاسوب، تخرج إلى السوق الغالب يضع السماعات على أذنيه، أينما ذهبت لا تجد اللغة، وإن وجدتها في الجامعات أو المدارس فلغة مقننة هناك شخص يتكلم والبقية يستمع، لغة أكاديمية ضيقة خالية من روحها لا تجد فيها حياة.
قبل أسبوع ركبت مع سائق تاكسي فسألته وكنت قد بدأت أكسر الصمت الذي حاول أن يختلقه بوضعه للسماعة على أذنيه بنقاش يدور حول موضوع اللغة، فقلت له : إلى أين تتجه اللغة على هذا الوضع؟ فكان جوابه: تخيل أنني لم أعد أتكلم مع عائلتي إلا القليل جدا والنادر، فقلت له لماذا؟ قال لدينا جروب واتساب للعائلة، والوقت الذي نعود فيه إلى البيت متفاوت، لا نأتي في وقت واحد، فيكتفي السلام بيننا عبر إشارة باليد، أو رسالة على مجموعة الواتساب، ثم يذهب كلٌ منا إلى غرفته يتصفح الجوال، وفي الصباح كذلك أوقات ذهابنا متفاوتة فلا نلتقي حتى المساء وهكذا.
رشدت التكنولوجيا اللغة بشكل مهول وحلت محلها، فأصبحت هي الذاكرة وهي التاريخ، وكأنها نموذجٌ حتميٌ لأن تكون هي الحياة والتاريخ، أصبح الإنسان إذا ما أرد أن يعبر عن مشاعره، يسأل جوجل عن الأشعار والكلمات الجميلة لكي يستطيع أن يعبر بها، في مقدرته على التعبير أصبحت مُعطبة جافة، صار الإنسان إذا ما أخطأ في كلمة أعطته التكنولوجيا الكلمة المناسبة، وهذا توليد تكنولوجي يسعى ليحل محل توليد العقل للغة، وإذا ما أراد المعلومة ذهب إلى التكنولوجيا ليسألها حاجته، وإذا ما أراد قواعد اللغة وجد أن التكنولوجيا خبيرة بها أحسن منه، فلم يعد الإنسان هو الإنسان الذي يولد اللغة، ولا الذي يحكم عن طريقها يتميزعن الآلة، بل أصبحت اليوم هي من تحكمه وتسيره، وتجعل منه شيء مثلها تماماً.
ولكي تلمس كمية الترشيد التي أصابت اللغة اليوم، انظر إلى ما يكتب في الصحف والمجلات والكتب والأبحاث، لغة خالية من المعنى من التركيب، تسابق محموم نحو اللغة المفككة نحو المعلومات المتناثرة التي لا يجمعها جامع، ولا يعرف القارئ ماذا يريد الكاتب، سوى أنه أورد جملة من المعلومات يمكن الحصول عليها عبر الإنترنت، انظر إلى الباحث يعكف على جوجل شهر، فيكمل رسالة الماستر أو الدكتوراه دون إعمال للعقل، لأن ما جمعة كمية معلومات حشرها بين دفتي البحث ورمى بها في المكتبة لتكون ديكورا يكمل به فراغات رفوف المكتبة.
منذ ما يقارب ثمانية أشهر وأنا أراقب أحد الأطفال في السكن الذي أسكن فيه، أراه عند طلوعي وعند نزولي، طفل توحي صورته بالفطنة والذكاء إلا أنني لم أسمع له صوت طيلة هذه المدة، وفي الغالب يُنكس برأسه إلى الأسفل، لا ينظر حتى في وجهي، وأقول في نفسي دائما، الشيء الوحيد الذي يجعل مثل هذا الطفل بهذه الحالة هو استخدام التابلت أو الجوال بشكل مفرط ودون ترشيد عائلي، وفعلاً قبل أمس جاء مع أمه لزيارة زوجتي، فوجدته على التابلت يشاهد أفلام الكرتون والالعاب لساعات طويلة.
حتى القراء في الآونة الأخيرة طالهم الترشيد للغة، فالقارئ مهما قرأ من الكتب وهو لا يمارس ما قرأ في سياق اللغة فما يفعله هو نوعاً من الترشيد للغة، صحيح أن القراءة ربما شكلت لديه أفكارا ، لكن الشجرة التي لا تشم الهواء تذبل أوراقها وتموت، والأفكار التي لا تعيش مع اللغة فتحركها وتتحرك بها هي أفكار ذابلة ميتة لا تأتي بشيء ولا تغير شيء.
ختاماً:
في ظل التقدم التكنولوجي المحموم الذي لا يقوم على مركزية أخلاقية أو إنسانية أو تاريخية، وإنما مركزيته التقدم الذي لا نعرف إلى أين سيمضي، وفي ظل انعدام المعايير التي تراعي الإنسان ككيان مستقل عن الطبيعة، إذ لا معايير سوى المزيد من الاستهلاك والإنتاج والقوة، في ظل ذلك ربما جاء يوم لا يحتاج الفرد منا لأن يتكلم، وليس بحاجة إلى أن يستخدم اللغة، فاللغة الرقمية تحل محل كل شيء، و تشذيب وتقليم اللغة يحصل يوما بعد يوم، والاعتماد على اللغة العامية يعتبر من وسائل الترشيد، حتى إذا ما أصبحت هي اللغة المتداولة أصبحت عاجزة على أن تلبي للإنسان احتياجاته اللغوية، فهي لغة عامية لا تحكمها قواعد أو جذور لغوية، كما أن من الوسائل التي تصب في مصلحة الترشيد ما تتعرض له اللغة الأم على حساب اللغة الأجنبية، فغالبية كبيرة من الأسر اليوم خصوصا في بلاد المهجر باتت تفضل لابنائها اللغة الإنجليزية على حساب اللغة الأم، وهذا بدوره يبدأ (يحوسل) الطفل نحو الترشيد أكثر فأكثر.



قضايا وآراء
أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
الدعم الأممي للمليشيات في اليمن