الأحد, 16 يوليو, 2017 07:35:30 مساءً


 
يتألق عدد من الأصدقاء الشباب في عقد "مناظرات" متعددة حول قضايا تثير اهتمام الرأي العام.
ورغم أهمية هذا، إلا أن الميل لاستخدام مصطلح "المناظرة" بدلا من مصطلح "الحوار" أو "النقاش" ينم عن سيطرة جو فكري معين كنت أتمنى ان لا يقعوا في حباله.
المناظرة كما عرفناها في التاريخ والتراث العربي مفهوم يحيل إلى شكل من أشكال المواجهة الفكرية بين شخصين لا تسعى الى الوصول للحقيقة بقدر ما تسعى الى تحقيق انتصار ضد الطرف الآخر. وجري العرف الحديث (في الغرب بالتحديد) ان تنتهي المناظرة بتصويت الجمهور ليفوز الطرف الذي يحصل على أكبر عدد من الاصوات!
وتحفظي على مفهوم المناظرة يعود الى أربعة أسباب:
الأول: أن أسلوب المناظرة يحصر المتناظرين في زاويتين بعيدتين لا تعبران فعليا عن الرأي الحقيقي لهم. على سبيل المثال شاهدت وسمعت مناظرات حول " هل الإنترنت تدعم ثقافة السلام أم ثقافة الحرب؟" أو "هل الإسلام دين سلام أم دين إرهاب؟" ، او "هل انت مع الحرية المطلقة ام لا؟"....إلخ؟
هذا التحديد يضر المتناظرين مسبقا لأن بعض القضايا لا يمكن الإجابة عليها بطريقة "الأبيض" و"الأسود" إما مع وإما ضد. فالانترنت مثلا تدعم السلام كما قد تدعم الحرب ايضا حسب استخدامنا لها، والحرية لا يمكن ان تكون مطلقة ورأينا لا يمكن ان نجيب عنه في قضية الحرية بنعم أو لا. وهذا يؤدي بلا شك الى تسطيح النقاش وخلق جو قتالي بين الطرفين يضحي بالحقيقة والنقاش من اجل تحقيق الانتصار.
السبب الثاني: أن المناظرة إلغاء للتعدد، فهي نهاية أي مناظرة نتوقع ان ينتصر رأي واحد وبالضربة القاضية ، وينهزم الرأي المقابل هزيمة نهائية. بينما ينتهي النقاش او الحوار المتكافيء القائم على احترام كل الاطراف برؤية واضحة لنقاط القوة والضعف عند كل طرف تمكن الجمهور من التوصل لأحكام اكثر عقلانية تجاه القضية المطروحة.
أما السبب الثالث: فهو ان ثقافة المناظرة في تراثنا وتاريخنا صورت لنا أن هناك اجابة واحدة لكل سؤال، وأن هذه الاجابة نهائية لا يمكن إعادة فحصها ولا نقاشها من جديد. وإذا راجعت عناوين كتب التراث لوجدتها عناوين قتالية مليئة بالعنف والاإصاء تحتفل بالنصر على الطرف الآخر حتى قبل النقاش، مثل: "الصارم المسلول" ، " الصواعق المرسلة"، "السيل الجرار"، "فصل المقال"، و"الفرقان" و "الصارم البتار".... الخ.
السبب الرابع: أن المناظرة (عكس النقاش) لا تتيح فرصة للمراجعة والنقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء. فالمناظر مشغول بتحقيق انتصار على الخصم باستخدام كل الاساليب حتى لو لجأ للتضليل. لهذا قد تؤدي المناظرات إلى تدهور الراي العام بدلا من تثقيفه.
في الصحافة التلفزيونية الغربية يفرقون بوضوح بين المناظرة Debate ، و الحوار Talk Show. واغلب الصحفيين الكبار يبتعدون عن Debate لصالح Talk show لانها نوع أرقى من البرامج يتيح الفرصة لكل الأطراف لنقاش عقلاني يسعى للحقيقة والمراجعة. بينما تنحو الصحافة التلفزيونية العربية الى الجدال والمناظرة.
ظل العقل العربي طويلا يحمل عقائد ولا يحمل آراء. والفرق بين العقيدة والراي ان الرأي متغير ومتعدد، بينما العقيدة واحدة ونهائية. وفي المؤلفات القديمة كان المؤلفون ينسبون افكارهم الى الله لانهم يعتبرون "آراءهم" عقائد، فكتبوا مثلا عن "ففتح القدير" و "فتح الباري" و"الفتوحات المكية" ,و "فتوح الغيب" و "فتح المجيد" ...الخ.
ولو لاحظنا ان هذه العناوين فيها طرفان: طرف إلهي "الباري، القدير، المجيد.." في محاولة لنسبة افكارهم الى الوحي الالهي أو كأن كلامهم هو كلا الله، والطرف الثاني هو "الفتح" وهو المقاب لللغزو والقتال والجهاد في تصور صريح للمناظرة او الناس مع الآخر باعتبارها عملية قتالية جهادية تنتهي ب"فتح" الاخر وبالتالي السيطرة عليه واجباره على التخلي عن رأيه.
في نهاية كتاب "العقل السياسي العربي" تمنى محمد عابد الجابري، أن تتحول العقيدة عند العربي غلى مجرد "رأي" كمقدمة لتدشين عصر جديد من الحريات والنهوض.
وخالص تمنياتي للجميع في مناظرات أقل وحوارات أكثر. عقائد أقل وآراء أكثر...


قضايا وآراء
أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
اليمن في ظل دعوات الانفصال