الخميس, 27 أبريل, 2017 08:29:41 مساءً

في إحدى الجلسات العامة سألني أحد الأصدقاء عن مقال سابق للأخ المفكر عصام القيسي حول ذي القرنين الذي نسبه إلى غير نسبه، فقلت له: لقد وقع الأخ عصام في خطأ ما كان أغناه عنه. ونحن وإن كنا نلتمس له العذر في كونه مفكرا لا مؤرخا؛ لكننا لا نلمس له العذر إن أصر على رأيه بعد أن نورد له الأدلة القاطعة بعدم صحة رأيه. مع ملاحظتين يجب التنبيه إليها هنا، ابتداء..

1ـ إن شخصية ذي القرنين جدلية فعلا لدى كثير من المؤرخين والمفسرين، القدامى والمحدثين، ولعل الأخ عصام قد سار على مذهب أحدهم، وهو حقه في الاختيار إن كان متلقيا، أما ما دام باحثا منقبا فمناهج البحث العلمي التاريخي توصله إلى طريقة أخرى غير طريقته، وليس أمامه إلا التسليم بما تقرره قواعد البحث العلمي بمنطقها التجريدي.

2ـ لوجود ملك آخر سبئي تبعي اسمه تبع الأقرن ياسر يهنعم، قال البعض أنه ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم، مع أن هذا متأخر عنه أكثر من ثلاثمئة سنة. وايضا لذهاب البعض بقولهم إنه الاسكندر المقدوني، الملك القوي الذي كان على قدر كبير من الأبهة والملك، تشبه مهابة ذي القرنين، لكن لا علاقة له بذلك، كما سنبين لاحقا. ولذهاب آخرين أيضا بأنه الملك الفارسي قورش، الملك المقدس لدى المجوس الفرس ولدى اليهود على حد سواء.
أقول: ذو القرنين يمني سبئي تُبَّعي. وهو الملك الصعب ذو القرنين بن شمر الرائد ذي مراثد بن الحارث الرائش، ثالث التبابعة السبعين الذين ذكرهم المؤرخون، وأشار إليهم الشعراء، وكتب التراث زاخرة بتفاصيل حياتهم. عاش فيما بين 1418ـ 1350 قبل الميلاد. وعاصر الملك الفرعوني امنحوتب الثالث، ثم الملك امنحوتب الرابع.

وقبل الولوج في تفاصيل الحديث عنه نورد الآيات الكريمة التي ذكرها القرآن الكريم في سورة الكهف، فهي المنطلق الأساس فيما نذهب إليه، إضافة إلى أقوال الإخباريين، فالمؤرخين، وإن كان في أقول الإخباريين نظر في التثبت العلمي الصارم، لكن ذلك لا يمنع من الاستشهاد بها إذا وجدت ما يعضدها من شواهد اخرى، أو أن هذه الروايات في حكم المتواتر، أو لها ما يؤيدها من الأدلة البرهانية والحقائق العلمية. قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98).

ونستنتج من الآيات السابقات ما يلي.

1ـ كلمة "ذي" وهي من الأسماء الخمسة المعروفة في اللغة، المشتهرة في اللغة العربية بمعنى صاحب، فكيف للاسكندر الأكبر أن ينتسب بلقب أو اسم إلى اللغة العربية وهي ليست لغته؟!

2ـ كلمة "ذي" من لوازم الإضافات اللفظية لكثير من الملوك اليمنيين، سواء ذو القرنين أو غيره، كما أشار إلى ذلك المؤرخ محمد حسين الفرح، كالتبع السبئي الأول الحارث الرائش باران ذو رياش، أو الثاني شمر ذو الجناح، وكذا الحميريون ذو المنار وذو الأذعار وذو رعين وذو نواس وذو يزن...إلخ. ولم نقرأ عن ملوك غربيين أو شرقيين آخرين في ذلك الزمن كانت أسماؤهم أو ألقابهم تبتدئ بلفظة "ذو" أو "ذي". وهي من القرائن القاطعة على يمنية ذي القرنين.

3ـ روت أولى كتب الإخباريين ذلك، كوهب بن منبه وعبيد بن شرية، وإن كان في أقوال الإخباريين ما فيها كما أسلفنا. وأيضا قال ذلك المؤرخون الثقاة. فقد سئل كعب الأحبار عن ذي القرنين فقال: الصحيح عندنا من أحبارنا وأسلافنا أنه من حمير وأنه الصعب بن ذي مرائد، والإسكندر كان رجلا من يونان من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل (عليه السلام) ورجال الإسكندر أدركوا المسيح بن مريم منهم جالينوس وأرسطو طاليس. وقال المقريزي في الخطط: اعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار أن ذا القرنين الذي ذكره الله في كتابه العزيز فقال: «و يسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا» عربي.. وأن اسمه الصعب بن ذي مرائد بن الحارث الرائش بن الهمال ذي سدد بن عاد ذي منح بن عار الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود (عليه السلام) بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام)، وأنه ملك من ملوك حمير ملوك اليمن، وهم العرب العاربة، ويقال لهم أيضا العرب العرباء، وكان ذو القرنين تبعا متوجا، تبع لقب يطلق على ملوك اليمن ولما ولي الملك تجبر ثم تواضع لله، واجتمع بالخضر، وقد غلط من ظن أن الإسكندر بن فيلبس هو ذو القرنين الذي بنى السد فإن لفظة ذو عربية، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن، وذاك رومي يوناني وأيضا هذا اليوناني لم يعمر أكثر من 30 عام وقتل وسيرته معروفه. وسئل ابن عباس عن ذي القرنين ممن كان فقال من حمير.

4ـ الملك ذو القرنين مؤمن، موحد، بل لقد ذهب البعض إلى أنه نبي من الأنبياء، بينما الاسكندر المقدوني الذي تلاه بزمن قياسي كبير وثني إغريقي، ومعلمه أرسطوطاليس، كما هو ثابت في كل كتب التاريخ، ولا علاقة له بالأديان، وقد ذو القرنين قبل موسى عليه السلام بمئة وعشرين وسنة، وقبل عيسى بـ 1418 عاما. وبينيه وبين محمد 1988 عاما. وقد روى الحاكم في مستدركه عن معاوية وابن الجوزي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ملك الأرض مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان وذو القرنين، والكافران: بختنصر ونمرود، وسيملكها خامس من هذه الأمة. وقد ذكره أيضا ابن تيمية في المجموع. فهل يكون ذو القرنين هنا الاسكندر الوثني أو قورش المجوسي؟!! وإلى إسلام الرجل أشار القرآن الكريم والأحاديث النبوية وكتب الإخباريين والمؤرخين والشعراء. قال ابن كثير: كان ذو القرنين مؤمنا صالحا، وقيل كان نبيا، وقيل رسولا، وقد روي عن جابر عن مجاهد، عن عبدالله بن عمر قال: كان ذو القرنين نبيا. "البداية والنهاية، ابن كثير، 106/2. وقال الإمام الصابوني ـ أحد أكبر المتأثرين بابن كثير ـ إن ذا القرنين من ملوك اليمن. وبعلم الجميع أن الأنبياء لم يجاوزوا المنطقة العربية تقريبا في رسالاتهم السماوية؛ بل الجزيرة العربية وأطرافها كما يذهب البعض..! فكيف يكون نبيا من اليونان؟!
5ـ القرآن الكريم يقول: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ..) ومدلول الآية يقتضي القول أن رحلته ابتدأت من الشرق حتى بلغ المغرب، وهذا ما يؤكد يمنيته باعتبار اليمن شرقية، بينما الاسكندر غربي، وإن كان للاسكندر المقدوني رحلة ما فستكون غربية شرقية، وبالتالي فسيقول القرآن الكريم عكس ما قال تماما. مع مراعاة أن قورش أيضا شرقي، لكن لا علاقة له بما ذكر مرة أخرى..
5ـ الشعر.
ذكر الشعراء الحميريون قبل الإسلام ذا القرنين في شعرهم، كقول أحدهم:
قد كان ذو القرنين جدي مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من كريم سيد
انظر البداية والنهاية، ابن كثير، 103/2. والإكليل، الهمداني 198/8.
وقال الهمداني: قال أسعد تبع الحميري:
جدتي الخير حين تذكر بلقيس ومن نال مطلع الشمس جدي
كما ذكره أيضا بعد ذلك من الشعراء الجاهليين: قس بن ساعدة الإيادي، وطرفة بن عبد البكري. والأهم من هؤلاء كلهم شاعر الرسول حسان بن ثابت الذي قال فيه ضمن قصيدة له:
لقد كان قحطان الندى القرم جدنا له منصب في رافع السمك يشهر
ينال نجوم السعد إن مد كفه تقل أكف عند ذلك وتقصر
ورثنا سناء منه يعلو ومتحدا منيف الذرى سامي الأرومة يذكر
إذا انتسبت شُوس الملوك فإنما لنا الراية العليا التي ليس تكسر
لنا ملك ذي القرنين هل نال ملكه من البشر المخلوق خلق مصور؟
بواتر يتلو الشمس عند غروبها لينظرها في عينها حين يدخر
ويسمو إليها حين تطلع غدوة فيلمحها في برجها حين يظهر
وقال نشوان بن سعيد الحميري في ملحمته الحميرية "النشوانية":
والرائد الملك المتوج تبع ملك يرود الأرض كالمساح
فتح المدائن والمشارق وانتحى للصين في برية وبراح
فأذاق بعبر حتفه فدحى به في عقر لحد للمنية داحي
وأحل من يمن بتبت معشراً أضحوا بها عنا من المزاح
والترك قبل الصين كان لهم به يوم شتيم الوجه والأكلاح
5ـ الخوذة "القرنين" التي لبسها على رأسه سلاح يمني قديم على الرأس ذكرته النقوش اليمنية. وتكتنز النقوش والصور اليمنية القديمة بصور محاربين وملوك على رأسهم الخوذة العسكرية.
بعد هذه الأدلة.. هل يستطيع قائل ما أن ذا القرنين هو الاسكندر المقدوني؟ أو قورش الأخميني؟!! لا أظن.


أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
اليمن في ظل دعوات الانفصال