الاربعاء, 05 أبريل, 2017 06:22:36 مساءً

آن الأوان أيها الأخوان
نشأت جماعة الإخوان المسلمين على الأرجح كرد فعل على سقوط ما سمي بالخلافة العثمانية عام 1924، وعلى حركة الاستعمار الأوروبي للأقطار الإسلامية في ذلك الحين. ودوافع النشأة هذه ستترك آثاراً سلبية على مسار الجماعة ومصيرها بعد ذلك. وأخطاء التأسيس هي أخطر الأخطاء بالطبع، لأن الخطأ منها كالبذرة التي تتحول إلى شجرة مثمرة من الأخطاء، وهكذا دواليك، حتى تصبح الأخطاء هي الأصل والصواب هو الاستثناء. وكل ذلك يحدث ببطء يصعب على الوعي مراقبته.
 
قلت مرة لبعض شباب الجماعة -وقد كنت واحدا منهم ذات يوم- إن مشكلة الإخوان المسلمين تشبه مشكلة علم النحو العربي. كلاهما قام على أساس خاطئ، لأنه جاء استجابة لمشكلة زمنية لا لمشكلة علمية. فعلم النحو العربي تأسس استجابة لدواعي تلافي اللحن في نطق الألفاظ والجمل العربية من قبل الأقوام التي دخلت دائرة الدولة الإسلامية بفضل الفتوحات، وليس لدواعي العلم نفسه. فقد كان الفارسي والرومي مثلاً ينطق العربية دون مراعاة لإعرابها، أي دون مراعاة للصوت الأخير في الكلمة، فقد يرفع المنصوب وينصب المرفوع أو يجرهما معاً، وهكذا.
 
نشأت الجماعة استجابة لدواعي سقوط الخلافة الإسلامية في المقام الأول، وليس استجابة لسقوط الحضارة الإسلامية كما كان ينبغي أن يحدث، وكما حدث بالفعل من قبل مع مدرسة الأستاذ محمد عبده
ولحل هذه المشكلة نشأ علم النحو العربي، الذي ركز اهتمامه على ظاهرة الإعراب وأهمل بقية الظواهر النحوية ذات الأهمية البالغة. ولهذا تأسس النحو العربي على نظرية العامل، أي النظرية التي تبحث عن عامل النصب والضم والكسر والجزم في أواخر الكلمات. في حين أن اللسان العربي -كما يقول بعض أساتذته الممتازين- كان ينبغي أن يتأسس على نظرية "أمن اللبس". النظرية التي تقول إن العربي كان يراعي في كلامه إيصال المعنى دون لبس، سواء حدث ذلك بمراعاة الحركة الإعرابية أو بدونها.
 
وكان هذا الخطأ المبدئي التأسيسي سبباً في تعقيد علم النحو وإضعاف علوم اللسان العربي برمتها، بصورة ليس هنا مجال شرحها. ولو أن علم النحو قد تأسس لدوافع علمية خالصة لكانت له بدايات مختلفة وبناء مختلف من ثم. ومثل هذا الكلام يصح أن يقال أيضاً على جماعة الإخوان المسلمين. فقد نشأت الجماعة استجابة لدواعي سقوط الخلافة الإسلامية في المقام الأول، وليس استجابة لسقوط الحضارة الإسلامية كما كان ينبغي أن يحدث، وكما حدث بالفعل من قبل مع مدرسة الأستاذ محمد عبده. وقد أدى هذا إلى خلل جسيم في البناء النظري والمنهجي للجماعة.
 
من الظواهر البارزة لهذه الخلل زهد الجماعة في الاهتمامات النظرية، مثل الفلسفة والأدب والفنون والنقد. وتوجيه كوادرها باتجاه التخصصات ذات الطابع التجريبي، كالطب والهندسة، وغيرها من التخصصات غير الإنسانية. وقد ترك هذا التوجه أثراً سلبياً خطيراً على مسار الجماعة نفسها، وعلى مصير المجتمعات التي عرفتها.
 
أما الجماعة فقد أصيبت بعقم شديد في مجال إنتاج صناع الحياة المؤثرين، من أدباء وكتاب وفلاسفة وفنانين. بحيث لم تنتج خلال عمرها كله شخصية واحدة من الطراز الأول في هذه المجالات. ومعظم الشخصيات التي برزت في تاريخ الجماعة - من مفكرين وأدباء - قد كونت ثقافتها ومعارفها في فضاء العلمانية قبل أن تلتحق بالجماعة. كما أن غياب الاهتمامات النظرية والنقدية عن الجماعة قد أدى إلى بقاء -ثم تراكم- الأخطاء النوعية لديها. الأخطاء التي كانت سبباً في محنتها التاريخية المستمرة. لأن من طبيعة هذه الأخطاء أن لا يلاحظها، ولا يقدرها حق قدرها، إلا الفلاسفة والمفكرون والنقاد، وليس القادة المجاهدون المخلصون!
 
إن الأمة لا تحتاج لكي تنهض سوى إلى "الحركة" بالإسلام الموجود، أي بالفكر الإسلامي الموروث نفسه بعجره وبجره
وأما المجتمعات التي كان للجماعة فيها صولة وجولة فقد تأثرت كثيراً بوجود الجماعة إيجاباً وسلباً. ولعل أخطر ما صنعته الجماعة في حق المجتمعات الإسلامية -دون قصد ووعي منها- أنها احتجزت كتلة كبيرة من شباب هذه المجتمعات الصادقين والممتازين، وقطعت الطريق بينهم وبين مصادر النهضة الحقيقية. عندما قطعت الطريق بينهم وبين مثقفي الأمة ومفكريها الكبار، الذين كانوا قد قطعوا مشواراً طويلاً في معرفة المشكلة، مشكلة تخلف هذه المجتمعات وسبل نهضتها.
 
وبحجة أن الأديب الفلاني متحلل والمفكر الفلاني علماني أوغرت صدور شبابها ضد تراثهم العلمي والإبداعي، ولم تستطع تعويض النقص الذي خلفه غياب هؤلاء المبدعين والعباقرة، فنشأت أجيال من الإخوان لا تعرف أسرار تخلفنا الاجتماعي والحضاري، ولا تعرف أسباب النهوض الحقيقية، ولا تستطيع التعاطي مع أي خطاب رفيع المستوى. ومبلغ علمها من الأمر أنه لو أصبح لدينا القدر الكافي من الأطباء والمهندسين والفيزيائيين لأصبحت مجتمعاتنا قاب قوسين أو أدنى من التحرر والنهوض. وهذا بالطبع وعي زائف وخطير. فهذه الفئات قد تكون أدوات للنهوض الاجتماعي، لكنها لا تصنع نهضة ولا تقي من تخلف وسقوط. لأن الأمم تحيا بالمبدعين في المجالات الإنسانية لا بالفنيين والتقنيين.
 
وهذا البعد هو الذي فطن إليه الأستاذ محمد عبده، وفطن إليه -بصورة أقل- تلميذه محمد رشيد رضا. وهو سر تركيزهما على نقد التراث ومراجعة الأصول الفكرية. وعلى الرغم من أن الأستاذ البنا كان تلميذاً لرشيد رضا ولمدرسة محمد عبده عموما، وعمل رئيس تحرير لمجلة المنار التي أسسها أستاذه، إلا أنه قد شق طريقاً مختلفاً عن طريقهما، هو طريق الحركة بالإسلام لا طريق معرفة الإسلام معرفة علمية.
 
وكأن البنا كان مؤمناً بأن الفكر الإسلامي لا يحتاج إلى مراجعة ونقد كما اعتقد أساتذته، بل إلى تبني والتزام. ومن ثم فإن الأمة لا تحتاج لكي تنهض سوى إلى "الحركة" بالإسلام الموجود، أي بالفكر الإسلامي الموروث نفسه بعجره وبجره. وكانت النتيجة أن أصبح النقد في نظر أجيال من الإخوان عيباً يستحق اللوم. وبعد أن كان رشيد رضا يناقش على صفحات المنار قضية بمستوى حقيقة حجية الحديث النبوي ومدى ثبوته ووثاقته، ويدلي برأي صادم للتراثيين، إذا بأجيال من شباب الإخوان يتهمون من يفعل ذلك الآن بالكفر أو الفسوق.
* مدونات الجزيرة 


أسعار العملات
العملة شراء بيع
دولار امريكي 250 250.5
جنيه استرليني 318.78 319.41
يورو 234.47 234.51
ريال سعودي 66.66 66.79
دينار كويتي 823.32 824.96
درهم اماراتي 68.07 68.2
جنيه مصري 13.81 13.84
آخر تحديث: المركزي اليمني لتاريخ : 20 يونيو, 2017
اليمن في ظل دعوات الانفصال